“ذي ايكونوميست”: السعودية تتراجع على جميع الجبهات

وزادت المجلّة في التقرير الذي حمل عنوان: “بعد سنوات من الجسارة.. السعودية في حالة تقهقر وقد جرى تخطّيها من قبل إيران”، بأن المملكة في نهاية العام، “تجد نفسها في (وضعيّة) تراجع على جميع الجبهات”، حيث “سحبت سفيرها من العراق، هرباً من سيل الإهانات من جانب السياسيين الشيعة في بغداد، الذين يتطلّعون صوب إيران”، و”انحنى السعوديّون لصالح المرشّح لرئاسة لبنان المفضل إيرانياً”، فيما يبدو “المتمرّدون (السوريون)، تحت وطأة القصف القوات الإيرانية، والروسيّة، والسوريّة، على وشك الهزيمة” أكثر من أي وقت مضى، فضلاً عن موافقة المملكة العربية السعودية في اجتماع “أوبك” في 30 نوفمبر، على “تحمّل النصيب الأكبر من (تعهدات) خفض الإنتاج” لرفع الأسعار في سوق النفط، في حين “أفسح المجال لإيران برفع إنتاجها إلى مستويات ما قبل العقوبات”.
وبحسب المجلة البريطانية، يظهر “خصوم” المملكة العربية السعودية داخل اليمن، وبخاصة “الحوثيين”، عزمهم على رفض منح ولي ولي العهد السعودي “خروجاً مشرّفاً” من بلادهم، عن طريق شن “هجمات متكرّرة عبر الحدود السعودية اليمنيّة”، وإعلانهم “حكومة جديدة”، وذلك “بدلاً من الاتفاق على تشكيل حكومة تضم الرئيس المنفي (هادي)، كما يريد الأمير” بن سلمان.
ونقل تقرير المجلّة عن أحد المسؤولين العسكريين الإيرانيين قوله “إن اليمن سوف يكون (بمثابة) فيتنام المملكة العربية السعودية”، وأن الحرب المستعرة هناك “تستنزف الهيبة العسكرية والديبلوماسية للسعوديين”. وركّز التقرير على تهديد المسؤول الإيراني المبطّن للرياض حين قال أنه “إذا ما وافقت المملكة العربية السعودية على مغادرة بقيّة دول المنطقة، فإن إيران سوف تسمح لها بالاحتفاظ بالبحرين”، الجزيرة الصغيرة التي تتصل بالساحل الشرقي السعودي عبر جسر.
وأوضحت المجلة أن “تراجع حظوظ السعودية يعود في جزء كبير منه إلى نجاحات الدعم العسكري الإيراني” لقوات نظام الرئيس السوري، بشّار الأسد، والقوات المتحالفة معها، إلى جانب الدعم المقدّم للقوات العراقيّة والقوى الرديفة لها، وما يحظى به “حزب الله اللبناني” من دعم مشابه، ناقلة تصريحات المستشار في مكتب وزير الدفاع السعودي، والمتحدث باسم قوّات “التحالف” الذي تتزعّمه الرياض داخل اليمن، العميد أحمد عسيري، قال فيها إن الإيرانيين “يقومون بمحاصرتنا عبر الميليشيات”.
وأضافت المجلة بأن “السعودية تخسر قوتها الناعمة أيضاً، عبر قطع التمويل عن عدد من حلفائها التقليديين من السنّة، الذين بدأوا النظر في اتجاه آخر”، مثل سعد الحريري، زعيم الكتلة السنية في لبنان، الذي “وافق على القبول بمنصب رئيس الوزراء تحت حكم رئيس الجمهورية المفضّل من حزب الله”، في ظل “مشكلات” ماليّة ألمّت بشركة الانشاءات الخاصة به داخل السعودية عقب سياسات ترشيد الانفاق، والرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي، الذي “يقوم بخطوات انفتاحيّة باتجاه سوريا، وروسيا، وحتّى إيران، بعد إيقاف المملكة العربية السعوديّة شحنات النفط المجانية” إلى مصر.
ولفتت “ذي ايكونوميست” إلى دخول منطقة الشرق الأوسط في حالة من “الاستقطاب” و”المشاحنات” بين الأطراف الإقليمية، ومحاولات الأمير بن سلمان “تعزيز العلاقات مع إمارات (الخليج) في فنائه الخلفي”، مشيرة إلى زيارة العاهل السعودي، سلمان بن عبد العزيز، أربع دول خليجية مطلع ديسمبر الجاري، كـ”جزء من خطط تحويل مجلس التعاون الخليجي إلى اتحاد خليجي، مع التشديد على إيجاد تنسيق أكبر في قضايا الدفاع”، وإن لم يكن كل أعضاء مجلس التعاون على نفس الدرجة من القناعة بضرورة تحقيق ذلك، وفق ما أفادت بيكا واسر، للمجلة. وأضافت الباحثة المتخصصة في شؤون الخليج في مركز “راند” للأبحاث، أن “هناك خوفاً كامناً من الهيمنة السعوديّة”، في بعض الدول الخليجية، وبخاصة عمان، التي “تفضّل أن تكون شبه منفصلة” خارج سرب دول المجلس.
وعن اتفاق دول “أوبك”، بما في ذلك طهران والرياض، وعدد من المنتجين المستقلين خارج المنظمة، مثل روسيا وغيرها، من أجل خفض إنتاج النفط، لحظت المجلّة أنه جاء “مخالفاً للتوقعات”. وأشار التقرير إلى أن الاتفاق المذكور يدل أن كلّاً من المملكة العربيّة السعوديّة وإيران يضعان في اعتبارهما، الاقتصاد كـ”أولويّة” على حساب “المواجهة الاقليميّة”، في ضوء “إخفاقهما في تغطية النفقات الداخلية والمحليّة”، و”ابقائهما (نهج) المغامرات الخارجيّة (المكلفة)”، شارحاً أن معدّل أسعار النفط الذي تحتاج إليه إيران لموازنة إيراداتها ونفقاتها، هو 55 دولاراً للبرميل، فيما تحتاج المملكة إلى سعر 80 دولاراً للبرميل، وذلك وفق بيانات “صندوق النقد الدولي”. هذا، ونقلت المجلّة البريطانيّة عن خبير افتصادي عمل سابقاً لدى مكتب “البنك الدولي” في بيروت، قوله إن البلدين “لا يمكنهما الإبقاء على (وتيرة) حروب خارجية بالوكالة، كانوا قادرين على القيام بها عندما كانت أسعار النفط تبلغ 120 دولاراً للبرميل”، مضيفاً أنهما “يدركان أنهما بحاجة إلى تغيير” في هذا الشأن، لا سيما وأن مسؤولين إيرانيين يرون أن تحقيق “درجة أكبر من الاستقرار، والانفتاح، من شأنه أن يساعد إيران على إيجاد أسواق جديدة للصادرات الأخرى” غير النفطيّة، مثل السيارات، والاسمنت.
ووجد تقرير المجلّة أن وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يعد سبباً إضافياً لضبط النفس، بين غريمين تقليديين “يلعبان لعبة الانتظار” بانتظار استلامه مقاليد الحكم في الولايات المتحدة، وفق ما عبّر عدنان الطبطبائي للـ “ايكونوميست”. وتابع مدير مركز “كاربو” للأبحاث، ومقرّه بون، بأن الطرفين يبديان “خشية من الرئيس ترامب بسبب ما يعرف عنه من التسرّع والاندفاع”، مع “عدم تيقنهما، إن كان سوف يعمد إلى تشديد العقوبات” ضد الجمهورية، أو “بتفعيل قانون جاستا” ضد المملكة. كما أوضح مدير مركز “كاربو”، والذي ينظر إليه على أنه منصّة موازية للمحادثات بين السعودية وإيران، بقوله “على الرغم من تأثير المتشدّدين في كلا المعسكرين، فإن أيّاً منهما لا يرغب في التورّط بما يشبه الحرب المباشرة”.
وقد ختمت المجّلة البريطانية تقريرها بالقول إن “التوترات لا تنحسر، بل على العكس تماماً”، وذلك بالإشارة إلى إعدام الرياض رجل الدين الشيعي، والمعارض السعودي البارز، الشيخ نمر النمر، مروراً بقطع الأخيرة علاقاتها مع طهران في يناير الماضي، إثر قيام محتجين إيرانيين بإحراق مقر السفارة السعودية في العاصمة الإيرانية، وصولاً إلى إصدار القضاء السعودي أحكاماً بإعدام أكثر من 15 شخصاً، “بتهمة التجسس لصالح إيران”.