كل ما يجري من حولك

بوابةُ الدمــوع.. عنــوانُ الصراع القائـم والقـادم (الأخيرة)

765

 

عبــدُالقـــوي السبـــاعي

إلى جنوبِ البحر الأحمر وعند بوابته الجنوبية –بوابة الدموع– والتي جذبت إليها عناوينَ شتَّى للصراعات، فتارةً باسم مكافحة الإرهاب بعد حادثة المدمّرة الأمريكية (كـــول)، مروراً (بمشروع مدينة النور) ولحماية السفن من القراصنة، وكذا لغز (دوامة عدن)، إلى المصالحة المبرمة في سبتمبر 2018م، والتي رعتها مملكةُ بني سعود بين إثيوبيا وأريتريا جاءت كنافذةٍ وفرصةٍ لإسرائيل؛ لأَنَّها تعني تغييراً في جبهة البحر الأحمر وتحويلاً دراماتيكياً في خارطة التحالفات الإسرائيلية في هذه المنطقة وكما يقول الصهاينةُ: إن الموقعَ الجيو استراتيجي لأريتريا يجعلها بالنسبة لإسرائيل كنزاً يصعبُ التفريطُ فيه، فهي دولةٌ صغيرةٌ لكن إطلالتها على البحر الأحمر مقابل اليمن يجعلها على تواصلٍ مع المحيط الهندي وكذلك على طرق الملاحة باتّجاه إيران ما يحولها إلى ذخر أمني لها، وقد كشفت بعضُ التقارير أن “إسرائيلَ تقيمُ في أريتريا قواعدَ عسكريّة ومحطة تنصت عند جبال أمافا وساوارا وأرخبيل جزر دهلك في البحر الأحمر، ولديها علاقات دبلوماسية معها منذُ أن استقلت عام 1993، بل إن رئيسَها أسياس أفورقي تلقى العلاجَ من مرض الملاريا في إسرائيل، وطبيبه الخاص هو أفرايم سنيه -وزيرُ الصحة ونائب وزير الحرب السابق-، وفي المقابل تقيم إسرائيلُ منذُ سنوات طويلة علاقات متينة مع إثيوبيا وجيبوتي”.

فالدورُ السعوديُّ في المصالحة هذه جعلنا نتعرّف على ماهية المصالح الإسرائيلية السعوديّة المشتركة والتي تجنيها من صراعات القوى التي يشهدها البحرُ الأحمر، أولها الصراعُ القائم الذي يدورُ بين القوى الإقليمية الكبرى السعوديّة والإمارات وقطر وتركيا وإيران، والذي بدأ عملياً العام 2018م حين قرّرت الدولُ الأولى مع البحرين ومصر وموريتانيا قطعَ علاقتها مع قطر، ما جعل شواطئ البحر الأحمر الجنوبية مكاناً للتنافس على السيطرة عليه بين تلك الدول في المعسكريّن، وثانيها وعبر أدواتها الأولى نتعرّفُ على صراع القوى العظمى الدولية الصين والهند واليابان وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة؛ بهدَفِ التأثير على مجريات المحيط الهندي، ومحاولة وضع موطئ قدم في خليج عدن وجيبوتي على خلفية الحروب الدائرة في الصومال واليمن، والمخاطر المحتملة الناجمة منها على حرية الملاحة في البحر الأحمر الذي بات الخطُّ البحري الأكثر ازدحاماً في العالم.

هذان الصراعان الإقليمي والدولي في البحر الأحمر اتَّسما بإنشاء قواعد عسكريّة لكلِّ دولة للحفاظ على موطئ قدم لها في هذه المنطقة، وتعتبر إسرائيلُ قوةً إقليميةً لها قواعدها العسكريّة في البحر الأحمر والتي جاءت مبرّراتها منسجمةً مع مبرّرات الدول الإقليمية الأُخرى، لتأمين الملاحة البحرية، مع العلم أن العقيدةَ القتالية للبحرية الإيرانية لا تتجاوزُ بحرَ العرب وخليج عدن لتركيزها على مضيق هرمز، فمن مبرّراتها لإحباط عمليات تهريب السلاح الإيراني عبر سيناء لقطاع غزة ولحزب الله في لبنان، غير أن مشروعَ الشرق الأوسط الكبير لن يغيبَ عن تلك المبرّرات.

وأخيراً بروز حدث مُفاجئ أفقد مشروعَ الشرق الأوسط الكبير إمْكَانية تحقيقه عندما أطاحت ثورةُ 21 سبتمبر 2014م بحكومة الرئيس هادي الموالية للسعوديّة وواشنطن، الأمر الذي استدعى تشكيلَ تحالف دولي لإعادة هذه الحكومة إلى السلطة، وهذا ما ذكره رئيسُ وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اليوم الثالث من عمليات التحالف السعوديّ العدواني على اليمن، حَيْــثُ زعم أن حركةَ أنصار الله ترتبط بإيران وأن سيطرتها على اليمن خطرٌ على البشرية كلِّها، وقال حينها: إن ما وصفه بـ ”محور إيران –لوزان– اليمن هو محورٌ خطيرٌ جِـدًّا على البشرية جمعاء، ويجبُ العملُ على وقفه”.

هُنا بدأ التحالفُ الذي تقوده السعوديّةُ وتسانده واشنطن وتل أبيب فعلياً بعملية منتظمة للسيطرة على الموانئ والجزر اليمنية، واستطاع عبر مرتزِقته منذ مارس 2015م السيطرةَ على معظم الموانئ والجزر اليمنية، وقامت القواتُ المشاركة بالتحالف وفي مقدّمتها السعوديّة والإمارات بنشر قوات عسكريّة لها في مختلف الجزر اليمنية رغم كونها بعيدةً عن الحرب، ولم يصل إليها الجيشُ اليمني واللجان الشعبيّة، كما قدّمت مؤخّراً تضحياتٍ كبيرة للسيطرة على الشريط الساحلي الغربي لليمن وتكليف المدعو طارق عفاش لقيادة مليشيات مسلحة لعمل صد بشري من المرتزِقة متعدّد الجنسيات، يمنعُ اقترابَ الجيش واللجان الشعبيّة اليمنية من بوابة الدموع أَو الجزر القريبة منه، وأبعدُ من ذلك قامت الإماراتُ بإنشاء قاعدة عسكريّة في جزيرة ميون اليمنية في باب المندب وأُخرى في جزيرة سقطرى، كما يتواجد الأمريكان تحت غطاء الشرعية في خور أبو عقيل، وهو من المنشآت الحديثة في عرض خليج عدن المتاخم لباب المندب وفي حضرموت، وتواجد الفرنسيين في بلحاف شبوة، وما تزال الصين وروسيا تعملُ بصمتٍ قبلَ أن تتصدّر إحداها رأسَ حربة الصراع، ولعل الأيّامَ القليلة القادمة ستفصحُ عن الكثير مما يدور خلف كواليس الصراع.

You might also like