كل ما يجري من حولك

تقرير أوروبي: رحيل ترامب لن يغيّر أمريكا.. المصالح باقية والوجوه تتبدل

56

متابعات..|

سلّط موقع “نوتيتسي جيوبوليتيكي” الإيطالي الضوءَ على ما وصفه باستمرار النهج الاستراتيجي لأمريكا بغض النظر عن هُوية الرئيس المقبل، معتبرًا أن رحيلَ الرئيس دونالد ترامب لن يؤدي إلى تغيير جذري في السياسات الأمريكية، وإن واشنطن ستواصل الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية بالأهداف نفسها وإن اختلفت الأساليب والخطابات.

وقال الكاتب داريو ريفولتا، في تقرير إن المشكلة لا تكمن في ترامب وحده، بل في بنية صناعة القرار الأمريكي ذاتها، حَيثُ تتغير الشخصيات السياسية بينما تبقى المصالح الكبرى وأدوات الهيمنة الأمريكية ثابتة.

وَأَضَـافَ أن الولايات المتحدة التي يبلغ عدد سكانها نحو 350 مليون نسمة تضم نخبًا متميزة في مجالات متعددة، إلا أن المواطن الأمريكي العادي، بحسب وصفه، “يبقى محدود المعرفة ثقافيًّا إلى حَــدّ كبير ويفتقر إلى روح الحصافة والذوق الرفيع”، معتبرًا أن هذا الجمهور هو المستهدف الرئيسي من تصريحات ترامب المثيرة للجدل.

وأوضح التقرير أن التصريحات التي يطلقها ترامب بحق قادة دول حليفة لواشنطن، بمن فيهم رئيسة الوزراء الإيطالية، لا ينبغي فهمها بمعزل عن طبيعة الجمهور الذي يخاطبه، مُشيرًا إلى أن ما يبدو عفويًّا أَو فوضويًّا في سلوك الرئيس الأمريكي يخضع في الواقع لمنطق سياسي محدّد.

وأكّـد ريفولتا أن أسلاف ترامب استخدموا لغة أكثر دبلوماسية وتهذيبا، لكن جوهر النظرة الأمريكية تجاه أُورُوبا لم يتغير، موضحًا أن الولايات المتحدة تعاملت دائمًا مع القارة الأُورُوبية من منظور المصلحة الأمريكية أولًا.

 

الناتو.. تغيير في الأُسلُـوب لا في الأهداف

واعتبر التقرير أن حلف شمال الأطلسي يمثل نموذجا واضحًا على استمرارية السياسة الأمريكية، موضحًا أن الضغوط على الدول الأُورُوبية لزيادة إنفاقها الدفاعي لم تبدأ مع ترامب، بل سبقتها إدارات أمريكية متعاقبة، بينما اقتصر الاختلاف الحالي على طبيعة الخطاب المستخدم.

وأشَارَ إلى أن واشنطن لا تنوي التخلي عن هيمنتها على الغرب أَو عن قيادة الحلف، لكنها تسعى إلى تخفيف أعبائها المالية عبر تحميل الأُورُوبيين جزءا أكبر من التكاليف، في ظل إدراكها أن التحدي الاستراتيجي الأكبر لم يعد روسيا بل الصين.

وَأَضَـافَ الكاتب أن الولايات المتحدة باتت تدرك تراجع قدراتها الصناعية والعسكرية مقارنة بالصين، وهو ما يفرض على الإدارات الأمريكية الحالية والمقبلة إعادة بناء القاعدة الإنتاجية والصناعية اللازمة لخوض أي مواجهة مستقبلية.

 

الصين تكشف نقاط الضعف الأمريكية

ورأى التقرير أن الحرب في أوكرانيا ثم المواجهة مع إيران كشفتا هشاشة المخزونات العسكرية الأمريكية، لا سِـيَّـما في ما يتعلق بالذخائر الاستراتيجية والصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الدفاع الجوي.

وأشَارَ إلى تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن تحويل الجزء الأكبر من صواريخ “جاسم أي آر” الشبحية من قواعد المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط؛ بسَببِ النقص في المخزونات.

وَأَضَـافَ أن عدد الصواريخ بعيدة المدى المتاحة انخفض، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، من نحو 2300 صاروخ قبل الحرب إلى 425 صاروخا فقط، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الولايات المتحدة على خوض مواجهة طويلة الأمد مع الصين في حال اندلاع أزمة حول تايوان.

وأكّـد أن الفجوة في بناء السفن والإنتاج العسكري بين واشنطن وبكين تزداد اتساعا، في وقت تعتمد فيه الصناعات العسكرية الأمريكية على المعادن الأرضية النادرة التي تسيطر الصين على الجزء الأكبر من عمليات تكريرها عالميًّا.

 

الدَّين العام.. أزمة تتجاوز ترامب

وتوقف التقرير عند ما وصفه بإحدى أخطر المشكلات البنيوية التي تواجه الولايات المتحدة، وهي الدين العام المتضخم.

وأشَارَ إلى أن تكلفة الحرب ضد إيران بلغت 11 مليار دولار خلال أيامها الستة الأولى، قبل أن ترتفع إلى نحو 29 مليار دولار، فضلا عن انعكاسات أزمة الطاقة التي قدّرت بنحو 40 مليار دولار إضافية.

ولفت إلى أن البنتاغون طلب زيادة غير مسبوقة في ميزانية الدفاع لعام 2027 لتصل إلى نحو 1.5 تريليون دولار، بزيادة تبلغ 42 بالمئة مقارنة بالعام الحالي، في حين حذرت جهات مالية مستقلة من أن هذه السياسات قد ترفع الدين الأمريكي بنحو سبعة تريليونات دولار إضافية خلال العقد المقبل فوق مستواه الحالي البالغ نحو 40 تريليون دولار.

وأكّـد الكاتب أن هذه التحديات ستجبر أي رئيس أمريكي مقبل على مواصلة النهج الذي بدأه ترامب، حتى وإن استخدم لغة أكثر دبلوماسية.

 

معركة الدولار مُستمرّة

وفي الجانب الاقتصادي، رأى التقرير أن الدفاع عن هيمنة الدولار سيظل أولوية ثابتة لجميع الإدارات الأمريكية المقبلة.

وأوضح أن إدارة ترامب تدفع باتّجاه توسيع استخدام العملات المستقرة المرتبطة بالدولار؛ باعتبَارها وسيلة للحفاظ على مكانة العملة الأمريكية في النظام المالي العالمي، في مواجهة مساعي الصين ودول أُخرى لإيجاد بدائل لنظام المدفوعات المعتمد على الدولار.

وأشَارَ إلى أن بكين تطور أنظمة مالية بديلة مثل “سي أي بي إس” ومنصة “إم بريدج” الرقمية؛ بهَدفِ تقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي.

وَأَضَـافَ أن واشنطن تدرك في الوقت ذاته أنها بحاجة إلى السوق الصينية والمعادن النادرة التي تسيطر عليها بكين، ما يجعل العلاقة بين الطرفين قائمة على التنافس والاعتماد المتبادل في آن واحد.

 

أُورُوبا الخاسر الأكبر

واختتم ريفولتا تقريره بالتأكيد على أن إعادة التصنيع الأمريكية، والسباق العسكري الجديد، والدفاع عن الدولار، وأي اتّفاقات مستقبلية مع الصين، ستتم جميعُها دون إشراك الأُورُوبيين بصورة حقيقية.

وقال إن عددًا من القادة الأُورُوبيين لا يزالون يعتقدون أن المشكلة تكمن في ترامب وحده، وإن رحيله سيعيد العلاقات عبر الأطلسي إلى سابق عهدها، إلا أن الواقعَ -بحسب تعبيره- يشير إلى أن الاستراتيجية الأمريكية ستبقى على حالها مهما تغيرت الأسماء في البيت الأبيض.

وختم بالقول إن الأُورُوبيين سيكتشفون أن السياسات الأمريكية المقبلة ستواصلُ السيرَ في الاتّجاه نفسه الذي رسمه ترامب، لكن “بلغة أكثر تهذيبًا ودبلوماسية، ومن دون أي تغيير جوهري في الأهداف والمصالح”.

 

You might also like