كل ما يجري من حولك

غزة ما بعد الحرب.. ما هي خياراتُ أطراف الصراع؟

45

متابعات| تقرير*:

تظهر مواقف الأطراف الإقليمية والدولية ارتباكاً واضحاً في التعامل مع سيناريوهات مستقبل إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد انتهاء معركة طوفان الأقصى، وهو ما أسهم في تعطيل فرص وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

تناقش الدراسة المرفقة أسفل الملخّص أدناه تصورات مطروحة لمستقبل الأوضاع في القطاع، وسنستعرض فقط مواقف الأطراف المؤثِّرة في مجريات معركة طوفان الأقصى، وأولويات كل طرف وخياراته المفضلة لمرحلة ما بعد الحرب.

أولويات الأطراف وخياراتها بعد الحرب

تتباين أولويات أطراف الصراع والأطراف المؤثِّرة في مسار معركة طوفان الأقصى إزاء مستقبل إدارة الأوضاع في قطاع غزة بعد الحرب تبعاً لاختلاف أهدافها وتضارب مصالحها. وفيما يلي عرض لأولويات تلك الأطراف وخياراتها المفضلة:
حماس وفصائل المقاومة:

تتوافق حركة حماس وبقية فصائل المقاومة الفلسطينية على مجموعة من الأولويات فيما يتعلّق بمستقبل القطاع بعد الحرب، ومن أهمها:

– إنهاء الاحتلال والوجود الإسرائيلي في قطاع غزة بشكل كامل.

– الاحتفاظ بسلاح المقاومة ودورها في حماية مصالح الشعب الفلسطيني وفي سعيه للتحرير ومواجهة الاحتلال، والحيلولة دون فرض ترتيبات في القطاع تهدد وجود المقاومة وعملها.

– الاحتفاظ بدور سياسي واجتماعي فاعل لفصائل المقاومة في قطاع غزة، وإفشال خطط إقصائها من المشهد وإضعاف حضورها السياسي والمجتمعي.

 تعزيز استقلالية القرار الوطني، وتقليص حجم التدخلات الخارجية في الشأن الفلسطيني.

– إعادة إعمار قطاع غزة، وتجاوز التداعيات الإنسانية للعدوان الصهيوني.

– كسر الحصار المفروض على القطاع منذ سنة 2007.

– تجاوز حالة الانقسام الفلسطيني والتوصل لتوافقات وشراكات وطنية لإدارة الشأن الفلسطيني.

وفي ضوء هذه الأولويات، فإن الخيارات المفضلة لحركة حماس وفصائل المقاومة تتراوح بين خيار تحقيق توافق وطني فلسطيني فيما يخصّ مستقبل إدارة شؤون القطاع، بعيداً عن الوصاية والإملاءات الخارجية، وبين خيار عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل معركة طوفان الأقصى في حال فشلت جهود التوافق والشراكة وواصلت السلطة فرض شروط تعجيزية تؤثِّر في مستقبل المقاومة ودورها في مواجهة الاحتلال والدفاع عن مصالح الشعب الفلسطيني.

الكيان الإسرائيلي

اتَّهمت الإدارة الأمريكية بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu وائتلافه الحكومي المتطرّف بعدم امتلاك خطة واقعية متكاملة أو تصور واضح لمستقبل قطاع غزة بعد الحرب. وعلى الرغم من الخلافات والانقسامات في الموقف الإسرائيلي، يمكن الوقوف على مجموعة من الأولويات الإسرائيلية المشتركة فيما يتعلق بمستقبل القطاع، ومن أبرزها:

– نزع سلاح المقاومة الفلسطينية والقضاء على قدراتها العسكرية وإضعافها وتجريدها من سلاحها وعناصر قوتها، بما يضمن تحجيم خطرها أو إنهائه إن أمكن.

– إقصاء حركة حماس عن صدارة المشهد السياسي والإداري والخدمي في القطاع.

– توفير ضمانات لعدم تكرار هجوم 7/10/2023، وطمأنة مستوطني غلاف قطاع غزة على أمنهم بعد الحرب.

– إيجاد ترتيبات مناسِبة لإدارة القطاع تُحقِّق المصالح الإسرائيلية وتتيح لها التدخل أمنياً فيه على غرار ما يحصل في الضفة الغربية.

– إدامة الانقسام والاستنزاف الفلسطيني، والحيلولة دون التوصل لتفاهمات وشراكات فلسطينية في الضفة والقطاع.

وعلى الرغم من التوافق على هذه الأولويات، تتباين خيارات الأطراف الإسرائيلية إزاء مستقبل قطاع غزة بعد الحرب. فقادة اليمين المتطرف في الائتلاف الحكومي، وعلى رأسهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وكذلك وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يضغطون لصالح إعادة احتلال قطاع غزة عسكرياً، ويرفضون أي دور للسلطة الفلسطينية في إدارة شؤون القطاع بعد انتهاء الحرب، سواء بصورة منفردة أم عبر شراكة مع حركة حماس وفصائل المقاومة.

ويتفق نتنياهو مع موقف اليمين المتطرف في رفض دور لحماس والسلطة في إدارة شؤون القطاع الحرب، ويفضّل خيار إنشاء إدارة محلية لشؤون قطاع غزة تنسّق مع السلطات الإسرائيلية، مع وجود عسكري مؤقت أو طويل الأمد للجيش الإسرائيلي، وإقامة منطقة عازلة داخل حدود القطاع.

في المقابل، فإن عدداً من معارضي نتنياهو، وأبرزهم زعيم حزب معسكر الدولة، بيني جانتس، والقيادي في الحزب جادي أيزنكوت، وكذلك زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد، يرفضون توريط الكيان الإسرائيلي باحتلال عسكري دائم للقطاع، ويؤيدون الموقف الأمريكي بإعطاء دور للسلطة الفلسطينية في إدارة القطاع بعد الحرب ضمن ترتيبات أمنية مشتركة مع قوات عربية وإقليمية وبرعاية وإشراف أمريكي.

الولايات المتحدة الأمريكية

تأثَر الموقف الأمريكي من معركة طوفان الأقصى بمجموعة محددات استراتيجية تاريخية حكمت سياق العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، كما تأثَّر بتداعيات الحرب على المصالح الأمريكية في المنطقة، وعلى مصالح الإدارة الديموقراطية وفرص الرئيس جو بايدن والحزب الديموقراطي في الفوز بالانتخابات القادمة في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024.

وفي ظلّ التباينات المحدودة في موقف الحزبَين الديموقراطي والجمهوري من الحرب في قطاع غزة، تبرز مجموعة من الأولويات المشتركة التي تؤثر في الخيارات والتفضيلات الأمريكية لمستقبل الأوضاع في قطاع غزة بعد الحرب، ومن أهمها:

– الحفاظ على المصالح الأمريكية الحيوية في المنطقة، وقطع الطريق على تدخلات المنافسين الدوليين لمزاحمة النفوذ الأمريكي في الملفات الرئيسية وفي مقدمتها الصراع العربي الإسرائيلي.

– استعادة الاستقرار وتهدئة بؤر التوتر في المنطقة والحيلولة دون توسيع مساحة الصراع.

– خفض انخراط الولايات المتحدة عسكرياً في أزمات المنطقة، وإنهاء تهديد الملاحة في البحر الأحمر.

– ترميم قوة الردع الإسرائيلية، وتحقيق أمن مستوطني غلاف غزة، ومنع تكرار هجوم 7/10/2023.

– إضعاف حركة حماس ومحاصرتها، والحيلولة دون خروج المقاومة الفلسطينية منتصرة من المعركة.

– احتواء نفوذ إيران في المنطقة، وحرمانها من جني مكاسب مهمة من معركة طوفان الأقصى بعد انتهاء الحرب.

وفي ظلّ هذه الأولويات المتأثرة بالمحددات الاستراتيجية للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية وبضغط العامل الانتخابي، وفي ضوء الفشل الإسرائيلي في حسم معركة طوفان الأقصى عسكرياً بعد أكثر من ثمانية شهور من القتال، ضغطت الإدارة الأمريكية للتوصل إلى صفقة تتيح وقف الحرب والذهاب لترتيبات مناسبة لمستقبل قطاع غزة، وتشاورت مع شركائها في المنطقة لبلورة صيغة لمستقبل إدارة الأوضاع في قطاع غزة تقوم على استبعاد حركة حماس وفصائل المقاومة من حكم قطاع غزة، لصالح إنشاء إدارة مشتركة بين السلطة الفلسطينية وقوات عربية وإقليمية.

السلطة الفلسطينية:

نأت السلطة الفلسطينية بنفسها عن التفاعل مع معركة طوفان الأقصى بصورة نشطة ومؤثرة، وظهرت كطرف محايد على الرغم من بشاعة المجازر الإسرائيلية في قطاع غزة والاقتحامات والجرائم المتواصلة في الضفة الغربية. وعلى الرغم من ارتباك السلطة وترددها وغموض موقفها، فإن الأمر الذي بدا واضحاً في أدائها منذ بداية المعركة يتعلق بخياراتها وتفضيلاتها لمستقبل إدارة قطاع غزة بعد الحرب، حيث تمسّكت بضرورة بسط سيطرتها على قطاع غزة، واستعادة دورها الذي فقدته سنة 2007. ومنذ الأسابيع الأولى للمعركة، عبّرت السلطة خلال لقاءاتها مع المسؤولين الأمريكيين عن استعدادها لتولي إدارة القطاع في أي ترتيبات قادمة، وراهنت على أنها ستظل الخيار العملي المتاح الذي ستُضطر مختلف الأطراف للتعامل معه في نهاية المطاف.

ومن أبرز الأولويات التي تحكم موقف السلطة من مستقبل قطاع غزة بعد الحرب:

– استعادة السيطرة على إدارة قطاع غزة والعودة إلى وضع ما قبل سنة 2007.

– تثبيت حضور السلطة في المعادلة الفلسطينية والإقليمية، وإفشال محاولات اليمين الإسرائيلي المتطرف لشطب دورها السياسي ولاستبعادها من الترتيبات المتعلقة بمستقبل قطاع غزة.

– الحيلولة دون إعادة احتلال القطاع عسكرياً.

– تحسين صورتها لدى سكان قطاع غزة، وتجاوز الاتِّهامات الموجَّهة لها بالتخلي عن تحمّل مسؤولياتها في مواجهة العدوان الصهيوني على القطاع.

وبتأثير هذه الأولويات يبدو أن الخيار المفضل للسلطة الفلسطينية هو فرض سيطرتها ورؤيتها السياسية على قطاع غزة بصورة منفردة وبدعم وإسناد رسمي عربي ودولي. وفي حال فشل هذا الخيار نتيجة صمود المقاومة ونجاحها في فرض نفسها كأمر واقع، يُرجّح أن تراوح السلطة بين خيار التوافق الوطني مع بقية القوى الفلسطينية على مستقبل إدارة القطاع، وبين خيار التخلي عن قطاع غزة وتركه يواجه منفرداً الضغوط السياسية الإقليمية والدولية وتحديات إعادة الإعمار ومعالجة التداعيات الإنسانية للحرب.

إيران وحلفاؤها في لبنان واليمن والعراق:

أبرز أولويات إيران وحلفائها في إدارة الموقف من مستقبل قطاع غزة بعد معركة طوفان الأقصى:

– ضمان خروج المقاومة الفلسطينية منتصرة من المعركة، وحرمان الاحتلال من صورة انتصار في المواجهة.

– تعزيز حضور المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، والحفاظ على سلاحها وقدراتها العسكرية وخيارها المقاوم، والحيلولة دون إقصائها أو إضعافها أو نزع سلاحها.

– ترسيخ وتطوير استراتيجية وحدة الجبهات بين حركات المقاومة على المستوى الإقليمي.

– ردع الاحتلال عن التفكير في خوض مغامرات عسكرية تستهدف إيران أو حزب الله بعد انتهاء معركة طوفان الأقصى.

– معالجة التداعيات الإنسانية للعدوان، وإعادة إعمار قطاع غزة.

وفي ضوء هذه الأولويات، تدعم إيران وحلفاؤها في محور المقاومة أي خيارات تتبناها المقاومة الفلسطينية بخصوص مستقبل إدارة الأوضاع في قطاع غزة، والتي تراوح بين تحقيق توافق وطني مع السلطة الفلسطينية وبين عودة الأوضاع في قطاع غزة إلى ما كانت عليه قبل 7/10/2023.

الأطراف العربية:

تدعم الأطراف العربية خيار تولّي السلطة الفلسطينية إدارة الأوضاع في قطاع غزة وبسط سيطرتها عليه، وفي حال تعذّر ذلك بصورة منفردة يُرجّح أن لا تعارض خيار التوافق بين السلطة الفلسطينية وحركات المقاومة الفلسطينية على صيغة مناسبة لإدارة القطاع تكون فيها السلطة في صدارة المشهد السياسي، ولكن في حال استمر رفض الجانب الإسرائيلي لخيارَي التوافق الفلسطيني وسيطرة السلطة منفردة على القطاع، يُرجّح أن تستجيب بعض الأطراف العربية للرغبة الأمريكية بالقيام بدور أمني فاعل في قطاع غزة بعد الحرب بالتنسيق مع السلطة. ومن غير المرجّح حتى اللحظة أن توافق الأطراف العربية على خيار إدارة إقليمية ودولية للقطاع بمعزل عن السلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية.

من خلال مناقشة التداعيات والنتائج المحتملة للتصورات المطروحة، يتضح أن خيار التوافق الوطني بين السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة على صيغة واقعية ومقبولة لمستقبل إدارة القطاع، هو الخيار الأفضل فلسطينياً والأكثر انسجاماً مع المصالح الوطنية الفلسطينية.

كما أنه خيار واقعي لا يتعارض مع أولويات الأطراف العربية والدولية، ويخدم حالة الهدوء والاستقرار في المنطقة، ويَحُوْل دون توسيع مساحة الصراع، لكنه خيار غير مرغوب إسرائيلياً بتأثير الأولويات الإسرائيلية والمواقف المتشددة لليمين الإسرائيلي بخصوص مستقبل إدارة قطاع غزة.


المصدر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

الكاتب: أ. عاطف الجولاني

You might also like