كل ما يجري من حولك

ظاهرة الاغتصَابات في مناطق المرتزقة

443

أنس القاضي

الاغتصَاباتُ في مناطق مرتزقة العدوان، ظاهرةٌ تعكِسُ على نحوٍ أكمل حقيقةَ الحكم في هذه المناطق وطبيعة القوى المُسيطِرة فيها والداعِمة لها، فهذه الظاهرةُ تنتشرُ مشروطةً بسيطرة المُرتزقة على مناطق جغرافية معينة وتتكرر في هذه المناطق، وليس في كُـلّ الجغرافيا اليمنية، وهي لذلك أبعدُ ما تكون عن الجرائم الجنائية الاعتيادية ولا تعكسُ تحلُّلَ الأوضاع الاجتماعية الاعتيادية. بل تكشفُ وجودَ بيئة مساعدة على الانحلال والشذوذ والجريمة، وهذه البيئةُ هي شروطُ السيطرة الاجتماعية بالإرهاب والتي انقلبت على معايير المجتمع الأخلاقية والدينية، ليصبح ذو الجريمة والشذوذ صاحبَ الصوت الأكبر، وذو القيم والأخلاق مُستضعفاً لا يجد أي أشكال من الدعم، فتسيد كُـلّ ما هو لا أخلاقي ولا قانوني، وحُورب كُـلّ ما هو قيمي وقانوني، والأوضاع الاجتماعية في وسط مدينة تعز وعدن تؤكد هذه الحقيقة بكل أسفٍ ومرارة.

تعكسُ حالاتُ الاغتصَابات حالةَ الانفلات الأمني، والتي بدورها تُعد نتيجةً وشكل تجلي حقيقة حكم هذه المناطق من قبل مرتزقة العدوان، الذي يبرز كحكم عصابات مُسلحة ناهبة، وتتجلى أيضاً ازدواجية السُّلطات الأمنية لعصابات المرتزقة التي تجعل أياً منها عاجزة عن السيطرة على كُـلّ الجغرافية لفصيل ما، وهذه الازدواجية بدورها تنطوي على حقيقتين رئيسيتين، الحقيقة الأولى بأن هذه الجماعات تفتقد للوحدة الموضوعية التي توفرها القضية، فهي فصائل وجماعات وعصابات غير موحدة في قضيتها، مما يعني بأن القضية التي تُرفع زائفة، ففي حالة كانت قضية صحيحة وقضية توحدهم، لَوفرت لأوساطهم شيئاً من التناغم ولاتّفقوا على حماية المجتمع الذي يدعون وصلاً به.

كما إن القضية في وجودها التأريخي -والتي هي منعدمة لديهم- تعمل على تهذيب المتمسكين بها وعلى توجيه سلوكهم، وانعدام هذه القضية العادلة في أوساط المرتزقة تجعل منهم قطعانَ متوحشةً منفلتةَ الرغبة والشهوة، يلبون أيةَ رغبة تنتابُهم في الاغتصَاب أَوْ النهب أَوْ القتل، والبطش بكل ما لا يروقُ لهم، وعدم إبداء أي اهتمام للوجود الإنْسَاني المحيط (الحاضن)؛ ولذا يتقاتلون في الشوارع ويقتلون المارّة والباعة المتجولين وأصحاب عرصات الخضار وقصص هؤلاء الضحايا مسجّلة في الذاكرة الجمعية المفجوعة.

الحقيقةُ الثانيةُ التي يعكسها وضعُ الانفلات الأمني، هي الاستراتيجيةُ العدوانيةُ التي تتَّبِعُها دولُ العدوان، بقيامها بدعم أكثرَ من جماعة وفصيل، ودعم صراعهم وتناحرهم، لتُبقي على سيطرتها على هذه المناطق التي هي في حكم المحتلة؛ لأن الاستقرار يدفع المجتمع إلى تنظيم حياته اليومية، وبالتالي إلى نقدِ ورفض كُـلّ هيمنة أجنبية واستبدادٍ محلي، والهيمنة الأجنبية والاستبداد هو جوهرُ مشروع تحالف العدوان الاستعماري ومرتزقته، وخلق شروط اجتماعية تدفعُ الناس إلى رفض أشكال السيطرة العدوانية هذه، هو شيءٌ يتناقَضُ مع وجودهم، هذا الوجود الذي يستمرُّ ويطول مشروطاً بأشكال السيطرة الاجتماعية هذه، والتي يُمكن تسميتها بنظرية “إدارة التوحش” التي عملت وفقها داعش في العراق وسوريا، إلا أن ما لا يدركونه أَوْ ينتبهون له بأن ديالكتيك الظاهرة يقول بأن ذات هذه الشروط التي تُخضِعُ المجتمع هي مَن تدفعه للرفض، فالثورة، إذا ما تم تنظيمُ حالة الرفض والسخط المتبلورة.

You might also like