كل ما يجري من حولك

الخطّة الإسرائيليّة لإجلاء نصف مليون مواطنٍ من الشمال خلال الحرب مع حزب الله هو نعي رسميّ بوفاة عقيدة بن غوريون بأنّ الحروب يجب أنْ تدور بأرض العدّو

401

ISRAEL-THE-SECOND-LEBANON-W

  • متابعات| رأي اليوم ـ زهير أندراوس:

دأبت إسرائيل منذ إقامتها على أنقاض الشعب العربيّ الفلسطينيّ في العام المشؤوم 1948، دأبت على تنفيذ العقيدة القتاليّة التي وضعها مَنْ يُطلقون عليه الصهاينة مؤسس الدولة العبريّة، دافيد بن غوريون، والقاضية بحسم حروب إسرائيل ضدّ العرب بأسرع وقتٍ ممكنٍ، ومن الناحية الثانية المُحافظة على أنْ تدور رحى المعارك في أرض العدو، وعدم تحويل العمق الإسرائيليّ إلى ميدان حرب.

في العام 1991، خلال حرب الخليج الأولى، تمكّن الرئيس العراقيّ الراحل، الشهيد صدّام حسين، من كسر هذه الدوكترينا الإسرائيليّة، عندما دكّ الدولة العبريّة بـ39 صاروخًا من طراز “سكود”، علمًا أنّ تل أبيب لم تكُن مشاركةً في الحرب العدوانيّة على بلاد الرافدين. بلعت إسرائيل الـ”هزيمة” ومنعتها الولايات المُتحدّة الأمريكيّة من الردّ على الصواريخ العراقيّة.

ولكن، مع مرور الأيّام، بدأت تطفو على السطح مؤشّرات تؤكّد تآكل قوّة الردع الإسرائيليّة، وتحديدًا عندما كانت تحتّل جنوب لبنان. حزب الله، الذي قاومها ببسالةٍ وشجاعةٍ غيرُ مسبوقتين، ألحق بها الهزيمة في أيّار (مايو) من العام 2000، عندما قرر رئيس الوزراء الإسرائيليّ آنذاك، إيهود باراك، سحب الجيش الإسرائيليّ من الجنوب اللبنانيّ، في عملية اعتبرها الإسرائيليون أنفسهم بأنّها عملية هروب تحت وقع ضربات المُقاومة المُوجعة والمؤلمة.

ومع ذلك، واصلت إسرائيل الحفاظ على عقيدة بن غوريون القتاليّة، مُستغلةً الضعف العربيّ والحرب النفسيّة التي خاضتها وما تزال ضدّ الأمّة العربيّة لكيّ وعيها واستدخال الهزيمة، وطبعًا بعد أنْ انكشف أمر العلاقات السريّة بين دولة الاحتلال وبين عددٍ من الدول العربيّة المُصنفّة إسرائيليًا بالمُعتدلة، وفي مُقدّمتها المملكة العربيّة السعوديّة.

العدوان الذي شنّته إسرائيل في تموز (يوليو) من العام 2006 ضدّ حزب الله اللبنانيّ، والذي اعتقد صنّاع القرار في تل أبيب أنّه سيكون نزهةً بالنسبة لأقوى جيش في الشرق الأوسط، وخامس أقوى جيشٍ في العالم، تحوّل إلى كابوسٍ بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ.

وباعتراف إسرائيليٍّ رسميٍّ تمّ الإعلان عن رحيل عقيدة بن غوريون القتاليّة إلى غير رجعة، عندما بدأ حزب الله يُمطر العمق الإسرائيليّ بالصواريخ، التي وصلت إلى ما بعد حيفا. هذه الصواريخ الـ”بدائيّة” أجبرت أكثر من مليون إسرائيليّ على مغادرة شمال الدولة العبريّة والفرار إلى مركزها، الأمر الذي كشف عن عمق الأزمة لدى صنّاع القرار من المُستويين الأمنيّ والسياسيّ.

وأكثر من ذلك، فقد تمّ الكشف لاحقًا عن أنّ إسرائيل، التي لم تتمكّن من تحقيق أيّ إنجازٍ يُذكر في الحرب التي استمرّت 33 يومًا، بدأت بالسعي إلى الحصول على قرار من مجلس الأمن الدوليّ لوقف النار، بعدما استُنزف جيشها، وفرّ مواطنيها بحثًا عن ملاذٍ آمنٍ من صواريخ الحزب. ولا نُجافي الحقيقة إذا جزمنا بأنّ حرب لبنان الثانيّة، كانت بمثابة الإعلان الرسميّ عن انتهاء عقيدة بن غوريون القتاليّة والانتقال إلى مرحلةٍ جديدةٍ من العلاقة مع المُقاومة العربيّة في لبنان وفي فلسطين، على حدٍّ سواء.

علاوة على ذلك، كشفت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيليّة النقاب عن أنّ الدولة العبريّة أعدّت خطةً لإجلاء مئات آلاف الإسرائيليين المقيمين قرب الحدود مع لبنان في حال نشوب حربٍ جديدةٍ مع حزب الله. ونقلت الصحيفة عن ضابطٍ كبيرٍ في جيش الاحتلال قوله إنّ عمليات الإجلاء قد تشمل ربع مليون شخص، وفق خطة أعدتها قيادة الجبهة الداخلية تحسبًا لنزاعٍ محتملٍ مع حزب الله.

ونقلت الصحيفة عن الضابط قوله: لم نُفكّر سابقًا في ضرورة إجلاء بلدات كاملة، لكننا نتفهم اليوم أننّا سنضطر لإجلاء مئات آلاف الناس، وأوضح أنّه من المستحيل إخلاء المنطقة من السكان بالكامل، علمًا بأن عدد المقيمين فيها يبلغ قرابة مليون شخص، لكنه تحدث عن إجلاء مئات الآلاف. وربط الضابط ضرورة اتخاذ هذه الخطوة بتنامي القدرات التكنولوجية لحزب الله واكتسابه خبرات قتالية جديدة في سياق الحرب السوريّة.

وتابع الضابط قائلاً للصحيفة: نحن ننصت لكلّ ما يقوله حسن نصر الله، ونأخذ تهديداته على محملٍ جديٍّ. ولفت إلى أنّه في الماضي كنّا نطلب من السكان أنْ يذهبوا إلى الملاجئ، لكننا اليوم بتنا نعلم أنّه لا يُمكن لهؤلاء أنْ يبقوا في الخطوط الأمامية إذا اندلعت الحرب. وأردف قائلاً: لقد وقعت تغيرات إقليمية كبيرة لم يكن أحد يتوقعها، وهناك تغيرات على الحدود تجعل الجيش يستعد للحرب ضدّ مجموعاتٍ مسلحةٍ وليس ضدّ جيوشٍ.

وبحسب الصحيفة، يتوقع المحللون في إسرائيل أنّه في حال اندلاع حرب مع حزب الله، فإنّ  1500 إلى 2000 صاروخ سيتساقطون بشكل يومي باتجاه العمق الإسرائيليّ، مقارنة مع عدوان العام 2006 الذي كان يتلقى فيه العمق 150 إلى 180 صاروخ يوميًا. وأوضح المُحللون أيضًا أنّ الجيش الإسرائيليّ يخطط لتوزيع السكان الذين سيتم إجلاؤهم من الشمال في فنادق ومدارس في بلدات بغور الأردن والقدس وأيلات والمستوطنات بالضفة الغربيّة المُحتلّة.

ولكن، على الرغم من إعداد خطّة الإخلاء، يبقى السؤال المفتوح: كيف يُمكن حماية العمق الإسرائيليّ وقادة تل أبيب يُقّرون علنًا بأنّ صواريخ حماس باتت تصل إلى حيفا، وأنّ كلّ بقعةٍ في إسرائيل أصبحت في مرمى صواريخ حزب الله؟

You might also like