كل ما يجري من حولك

آل سعود يبيعُون “مملكتهم” لواشنطن ويبحَثُون عن تمويل لعدوانهم

419

صدى المسيرة: إبراهيم السراجي

مع استمرار عدوانها على اليمن، بدأت ملامحُ المستقبل الاقْتصَادي في السعودي تظهر بشكل أوضح، رغم أن النظام السعودي يتستر على خسائره المباشرة وغير المباشرة جراء العدوان، لكنه في نفس الوقت يواجه مرحلة أمريكية صعبة مع وصول دونالد ترامب الذي يبدو أن يقود سياسة واشنطن مع الرياض على أساس “التخويف” وساعده وضعُ النظام السعودي المتدهور على تنفيذ تلك السياسة التي جعلته يحقق فائضا ماليا قدره 51 مليار دولار في شهر يناير الماضي في مقابل استمرار العجز المالي في السعودية.

الرئيسُ الأمريكي دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية عبّر عن نواياها تجاه النظام السعودي، فهو لم يكن يتحدث عنه بعداوة ولكنه كان معترضاً على حصول السعودية على نصف مليار دولار يومياً من مبيعات النفط، فيما هو يرى أن النظام السعودي لا يستحقُّها وأن لبلاده نصيبا كبيرا منها؛ نظراً للحماية التي تقدمها الولايات المتحدة للسعودية منذ عقود، وهو عبّر عن ذلك بشكل صريح.

أما المُؤسّسة الأمريكية الحاكمة، ولأنها من قام بتوريط النظام السعودي في اليمن، فهي كانت على علم أن وضع ذلك النظام بعد عامين من العدوان وستة أعوام من الاستنزاف المالي في سوريا، تجعل منه هدفاً يسهل النيل منه وإجباره على منح الولايات المتحدة عشرات المليارات، وبالتالي يسهل على ترامب تنفيذ تهديداته بسهوله وهو ما حدث بالفعل.

وقبل معرفة ما حصل ترامب عليه من أَمْوَال طائلة من النظام السعودي خلال فترة حكمه التي لم يمر على بدايتها سوى شهر واحد وأسبوع، يمكن الوقوف على الوضع المالي للنظام السعودي المتدهور والذي يضعه على حافة هاوية أكثر من أي وقت مضى، لعاملين رئيسين، الأول التكلفة الباهظة للعدوان على اليمن سواء المباشر منها أَوْ غير المباشر والاستنزاف المالي في سوريا والعراق وليبيا، والثاني انخفاض أسعار النفط بشكل كبير، وانصياع النظام السعودي لشروط المنتجين للنفط في مجموعة “أوبك” الذين أجبروه على تخفيضِ انتاجه اليومي من النفط، وهو ما جعله غير مستفيد من الارتفاع الطفيف للأسعار والتي تراوح ارتفاعها بين 5-10 دولارات للبرميل الواحد.

فيما يخص العجز المالي في الموازنة السعودية بما يقترب من 100 مليار دولار خلال عامي 2016 والعام الجاري 2017، فالأمر يعود لانخفاض أسعار النفط؛ بسبب السياسات السعودية التي أغرقت السوق العالمية بغرض الإضرار بالإنتاج الروسي والإيراني، لكن الأمر انعكس على النظام السعودي الذي يعتمد على إيرادات النفط بنسبة 90% من إجْمَالي الدخل القومي على عكس روسيا وإيران. ومنذ مطلع العام الجاري انصاع النظام السعودي لشروط إيران والعراق وروسيا وتم الاتفاق على خفض الإنتاج السعودي من النفط بغرض السيطرة على الأسعار، التي ارتفعت قليلاً بمقدار يساوي ما قامت السعودية بخفضه، بما يعني أن العجز سيلاحقها على مدى السنوات القادمة.

على الجانب الآخر، وعلاوة على المشكلة الاقْتصَادية الناتجة عن انخفاض أسعار النفط، أنفق النظام السعودي مئات المليارات من الدولارات على عُدوانه المستمر على اليمن، منها نفقات مباشرة ومنها غير مباشرة، والأخيرة متعددة الأبعاد وتصل إلى مستوى التعاقد مع شركات أمريكية وفرنسية في مجال العلاقات العامة لتحسين صورة النظام الملطخة بدماء اليمنيين في الأوساط الأمريكية والأوروبية.

وخلال عامين من العدوان، مر النظام السعودي بمحطتين رئيسيتين الأولى قبل نحو عام من اليوم، عندما اضطر لطرح سندات في السوق العالمية للحصول على قرض بقيمة 17 مليار دولار، وكانت شركات تقييم المخاطر تقدم مشورات للمشترين بوجودِ مخاطرة في شراء السندات السعودية، وهو وضعٌ لم تشهده المملكة السعودية من قبلُ، من حيث الوصول لمرحلة الاقتراض وافتقادها ثقةَ المستثمرين حول قدرتها على تسديد هذا المبلغ الذي كان يُعَدُّ بسيطاً في أزمنة المملكة ما قبل العدوان.

مطلع الأسبوع الجاري كشفت قناة المسيرة عن معلومات تم العثور على وثائقها في أحد المواقع التابعة لمرتزقة العدوان، وتضمنت الكثير من المعلومات المتعلقة بعلاقة الإذلال التي تربط المرتزقة وقادتهم بالنظام السعودي، لكن ما يهم في هذا السياق هي المعلومة التي كشفت أن النظام السعودي تذمّر من الطلبات المالية المتزايدة من قبل الفار علي محسن وسط معاناة مالية في المملكة، وتكشف أيضاً أن ملكَ السعودية تقدم بطلب إلى أمير الكويت يتضمن رغبتَه بالحصول على 10 مليارات دولار لتغطية العجز في نفقات النظام السعودي على العدوان.

بسبب كُلّ تلك المعطيات التي سبقت مجيء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وبسبب النفقات الكبيرة التي يتكبدها النظام السعودي لدعم الجماعات المسلحة في سوريا منذ ستة أعوام والجماعات الإجرامية في العراق وليبيا، وجد النظام السعودي نفسه أمام خيارات يجب تطبيقها على الشعب السعودي الذي لم يسبق له التعرض لها، ويتعلق الأمر بتخفيض الرواتب ورفع الدعم عن كثير من السلع والخدمات التي كانوا يحصلون عليها في الماضي بأسعار رمزية، بالإضافة إلى فرض ضرائبَ متعددة على السعوديين في مختلف المجالات حتى في مجال ضريبة الطرُق السريعة.

 

 

  • ترامب.. فصل جديد للاستنزاف المالي للسعودية

 

كان الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب واضحاً خلال حملته الانتخابية عندما قال إنه يرى أن لدى السعودية أَمْوَالاً طائلة ليست من حقها وأنها من حق الولايات المتحدة التي حمت النظام السعودي وهو بدون الأمريكيين لم يكن ليوجد أَوْ يستمر؛ ولذلك رأى ترامب أنه يجب أن يستعيدَ أمريكا تلك الأَمْوَال.

خلال الحملة الانتخابية الأمريكية، كشفت كبريات الصحف أن النظام السعودي موّل حملة المرشحة هيلاري كلينتون بعشرات الملايين من الدولارات، ومبالغ أخرى لم يتم الكشف عنها، في محاولة سعودية لتحاشي وصول ترامب إلى البيت الأبيض وإفراغ ما تبقى من احتياطيات سعودية متآكلة بفعل الظروف الاقْتصَادية وتكلفة العدوان والحروب الأخرى، ولكن ذلك لم يحدث بسبب فوز ترامب.

منذ الأيام الأولى لدخوله البيت الأبيض، تعمّد ترامب أن يكشف عن ملامح العلاقة التي ستربط واشنطن بالنظام السعودي، واتضح من مواقفه بهذا الصدد أن تلك السياسة تضع النظام السعودي في موضع التابع الذليل وممارسة ذلك الإذلال بشكل علني، بالإضافة إلى تعمّد ترامب التوضيح بين الحين والآخر بأنه حصل على التزامات مالية من السعودية لتمويل التحركات الأمريكية في الشرق الأوسط، ليؤكد لناخبيه ومتابعي حملته الانتخابية أنه استطاع أن ينفذ وعوده باستعادة الأَمْوَال التي لا يستحقها النظامُ السعودي.

وفي أول اتصال هاتفي بين ترامب وسلمان، قال البيت الأبيض إن الجانبين اتفقا على أن تمّول السعودية تكاليف إنشاء وتشغيل المناطق الآمنة التي تخطط الولايات المتحدة لإقامتها في سوريا.

وبالنسبة لتمويل مناطق آمنة فإن ذلك يعني أن تقوم السعودية بإنفاق مبلغ مالي لعملية عسكرية سيكون الأكبر في التأريخ الحديث.

تعليقاً على سعي ترامب لإقامة مناطقَ آمنةٍ في سوريا وتمويلها سعودياً وخليجياً يقول الكاتب العربي عبدالباري عطوان إن “إقامة مناطق آمنة ستكون عملية مكلفة جداً مالياً بالنسبة للدول الخليجية، قد تصل إلى عشرات الآلاف من المليارات؛ لأن أمريكا وتركيا سترسل إليها فواتير كُلّ طلعة طيران، وكل تحرك لدبابة، وكل جندي سيُقتل، وطلقة ستُطلق، ولتر وقود سيُستخدم في تشغيل العربات المصفحة والدبابات”. ويضيف متسائلاً: هل تستطيع هذه الدول تحمل كُلّ هذه النفقات في وقت يقترض بعضها المليارات من الأسواق المالية العالمية لتسديد العجز في الميزانيات، وتفرض إجراءات تقشف على مواطنيها؟”.

وإذا كان ترامب قد أعلن نيته إفراغ الخزائن السعودية ورسم علاقته بالرياض على نحو يجب أن يكون مهيناً للنظام السعودي الذي يتعامل معه باعتباره ضعيفاً وغير قادرٍ على البقاء دون حماية أمريكية، ولذلك لم يكتفِ ترامب بقبول السعودية تمويلَ مناطقه الآمنة في سوريا، وعمد إلى تأكيد علاقة الإذلال بينهما فكان له تصريحات مهينة تجاهلها النظام السعودي مجبراً.

في تصريحات له السبت الماضي جدد ترامب تأكيدَ عزمه على إنشاء مناطقَ آمنةٍ في سوريا ودول أخرى مضيفاً أنه سيرسل الفاتورة إلى السعودية والدول الخليجية لتسديد قيمتها بالكامل.

لم يتوقف ترامب عند ذلك ونُقل عنه حرفياً قوله: “الأَمْوَالُ الخليجية مقابلَ البقاء.. لا تملكون غيرَ المال ولا وجودَ لكم بدوننا”.

ولأن النظامَ السعودي والدول الخليجية أدركت التوجُّهَ الأمريكي الجديد مع قناعتها الفعلية أن الحقيقة هي أن وجودَ أنظمتها وبقاءها كان بفعل الحماية الأمريكية، ولذلك لم يكن متوقعاً أن يكون هناك أي تعليق سعودي أَوْ خليجي على تلك الإهانات.

في هذا السياق يعلق الكاتب عطوان في مقاله بصحيفة (رأي اليوم) التي يرأس تحريرها قائلاً “انتظرنا أن نسمع أي رد أَوْ تعليق من قادة الدول الخليجية، أَوْ حتى امبراطورياتهم الإعلامية وأذرعها الضاربة على مثل هذه الاهانات، ولكن انتظارَنا طال، ولا نعتقد أن بياناً سيصدر في هذا الصدد، فالصمت هو الخيار الذي جرى اعتماده باعتباره الأسلمَ، وهناك أمثلة عديدة في هذا المضمار”.

 

 

  • السعودية تبيعُ نفسَها في واشنطن عبر “أرامكو”

 

تعتمد السعودية في دخلها السنوي على إيرادات النفط بنسبة 90%، وهي نسبة كبيرة تعني أن الدولة لا وجود لها إذا اختفى النفطُ، ومع انهيار أسعاره في السنوات الأخيرة إلى اليوم، عرف السعوديون من المعاناة ما لم يشهدوْه في تأريخهم.

وتعد شركة “أرامكو” الأضخم على مستوى العالم، المسؤولة عن النفط في السعودية، ولذلك فهي تتحكم بـ90% من إيرادات المملكة، وهو ما جعل الاقْتصَاديين والسياسيين يقولون إن “أرامكو” هي في حقيقة الأمر الدولة السعودية.

مؤخراً قرر النظام السعودي عرض شركة “أرامكو” للبيع عبر الاكتتاب في السوق الدولية، ورغم أنه أعلن نيته طرح نسبة 5% من الشركة للبيع، إلا أن معارضين واقْتصَاديين سعوديين يعارضون بيعها أكدوا أن النظام السعودي يسعى لبيع الشركة بأكملها ويحاول أن يعلن عن ذلك تدريجياً لتجنب حدوث رد فعل واسع في الأوساط السعودية التي تعارض أصلاً طرح تلك النسبة للاكتتاب.

ولأن شركة “أرامكو” في مملكة النفط والمخزون المالي لإيراداته على مدى العقود الماضية، فإن ترامب الذي عبّر علناً أنه يرى تلك الأَمْوَال من حق بلاده وليس من حق السعودية، فإن عملية بيعها ليست سوى استحواذ أمريكي واستسلام سعودي للأمر الواقع في ظل إدارة ترامب، حيث أكد مسؤول سعودي أن بلاده تفضّل أن يكون الاكتتابُ على أسهم الشركة في الولايات المتحدة دون غيرها.

لا يتوقف الأمر عند استحواذ الأمريكيين على أرامكو؛ لأن ذلك يتعداه إلى بخس تقدير قيمة الشركة بمبلغ يتراوح بين ربع ونصف تريليون دولار.

قبل أسابيع كشفت صحيفة أمريكية أن السعودية عينت مستشاراً “يهودياً” لشركة أرامكو بالتزامن مع البحث عن شركة متخصّصة لتقييم قيمة الشركة السوقية لتحديد قيمة أسهمها عند طرحها للبيع أَوْ الاكتتاب.

وبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز يوم السبت الماضي، قدرت فورين ريبورتس، وهي شركة استشارات نفطية مقرها واشنطن، قيمةَ أرامكو السوقية بما يتراوح بين 250 و460 مليار دولار، باستثناء قيمة أصول التكرير والنفاذ المضمون إلى النفط والغاز.

ويبدو واضحاً أن تقدير قيمة الشركة التي تتحكم بـ90% من إيرادات السعودية ونفطها الأكبر على مستوى العالم، كان متعمداً من قبل الشركة والإدارة الأمريكية لشراء الشركة بهذه القيمة التي لا تعبّر عن قيمتها الحقيقة من أجل إتمام الاستحواذ الأمريكي على ما يراه ترامب بأنه حقٌّ لبلاده.

تقرير رويترز تضمن الكثير من الحقائق ونقل مخاوفَ السعوديين من عملية بيع أرامكو التي تهدد مستقبلَ بلدهم، ونقل عن “جيم كرين” الزميل المتخصص في شؤون الطاقة لدَى جامعة رايس في تكساس قوله إن “هناك بعض المعارضة للطرح العام الأولي تستندُ إلى القومية الاقْتصَادية. يُنظر إلى الشركة على أنها الأوزة التي تبيضُ ذهباً، بعض المواطنين السعوديين يخشون فيما يبدو أنْ لا يستفيدوا وأنْ لا يكون لهم نصيب في الأمر.

وأضاف كرين أن “الطرح العام الأولي أصبح أيضاً مبعثاً للاستياء من السياسات التقشفية القاسية التي فرضها الأميرُ محمد منذ عام 2015 لإصلاح الأوضاع المالية الحكومية في عصر النفط الرخيص، مشيراً إلى أن هناك حالياً بعضَ الأشخاص ممن يرفضون هذه التخفيضات صاروا يرفضون الطرح العام الأولي لأرامكو”.

كما تنقل رويترز عن عثمان الخويطر النائب السابق لرئيس أرامكو أن البيع قد يكون غير مُجدٍ اقْتصَادياً. وأضاف قائلاً: “من المنطق أن نبيع أية نسبة من مصدر دخلنا الرئيسي تحت ذريعة الحاجة إلى مزيد من الدخل. ونحن نعلمُ أن الدخل الحالي للبترول يزيدُ عن حاجتنا الضرورية”.

المخاوف التي نقلها التقريرُ على لسان سعوديين تعتقد أن قرار بيع “أرامكو” ناتج عن خطأ اقْتصَادي في تقديرِ جدوى تلك الخطوة، لكنهم يغفلون الجانبَ السياسي للأمر، والذي يقول إن النظام السعودي ينساق للابتزاز الأمريكي في ظل خياراتٍ ضيّقة تضعه بين اختيار البقاء مفلساً عن طريق القبول بالتوجيهات الأمريكية، أَوْ النهاية الحتمية في حال الرفض.

You might also like