كل ما يجري من حولك

الاغتيالاتُ السرطانيةُ الأَمريكية لزعماء أَمريكا اللاتينية

670

 

أنس القاضي

إجرامُ الولايات المتحدة الأَمريكية، يكادُ يكونُ الأولَ من نوعه من حيثُ وحشيته وَضحاياه في تأريخ البشرية، كما لم تصنع إمبراطورية استعمارية من قبلُ، بما تستخدم أَمريكا من أسلحة فتاكة، وبتجييرها للتقدُّم العلمي من خير البشرية إلى لدمارها، هذا الإجرام ليس نتاج أمزجة وسياسات شخوص القيادة الأَمريكية، ولا هي قرارات الشعب الأَمريكي؛ فليست دولة ديمقراطية يرسم الشَعب سياستها، بل إن هذا الإجرام هو شكل وجود الولايات المتحدة ولا يمكن لها أن تبدو غير ذلك، في هذه المرحلة الاستعمارية التي وصلت إليها، كدولة رأسمالية احتكارية (إمبريالية)، تقودُها رغبة الربح إلى احتكار الحياة، وعولمة الكون وأمركة الشعوب في هوياتها وثقافاتها واقتصادها، تعادي الأمة العربية والعالم الإسلامي، ومختلف الشعوب والأمم، وما من قارة إلا وبها بصمة دموية تدل على أن الوحش الأَمريكي مرَّ من هنا!

 

هكذا ترى أَمريكا العالَم

في تعامل أَمريكا، مع جيرانها من دول أَمريكا اللاتينية، التي تنظر إلها كحدائقَ خلفية – كما تنظُرُ لبقية الدول والشعوب- تسعى أَمريكا، لتُبقيَ الدول النامية مصادر خامات لمصانعها، والشعوب أَسْوَاقاً استهلاكية لمنتجاتها، وعمالاً عبيداً للإنتاج في فروعها الصناعية، وعبر الاتفاقيات العسكرية المجحفة والاخضاع بالقوة وعناوين “محاربة الإرهاب”، حوّلت أَمريكا حكومات وجيوش بلدان عديدة خدماً وحراساً لمصالحها ومواقعها الاستعمارية في العالم.

السياسة الأَمريكية.. قتل ودهس للديمقراطية وحقوق الإنْسَان

 ومن أجل تسيد هذه الإمبراطورية الاستعمارية، فالسياسة الأَمريكية وخَاصَّـة الخارجية لا تتغير-مهما اختلف الرؤساء- وهي سياسة احتكارية عسكرية معادية للديمقراطية وللسلام وحقوق الإنْسَان وللحرية والمنافسة والتعدد القطبي في العالم، والمساواة بين البشر، ولذا تلجأ الولايات المتحدة الأَمريكية إلى أبشع الأَسَاليب وأكثرها وحشية في استهداف الشعوب وحركات التحرر ورموز الثورة والمقاومة على مستوى العالم، من القتل بالوسائل البدائية والمعتادة، إلى القتل بالأسلحة الجرثومية والسرطانية.

 

أَمريكا تطوِّرُ السلاحَ الجرثومي المُسبّب للسرطان رغم اتفاقية الحظر

وكالةُ المخابرات المركزية هي الرائدةُ في استخدام العوامل المسبّبة للسرطان التي يمكن أن تصيب ضحاياها من خلال الحقن أَوْ الاستنشاق أَوْ ملامسة الجلد من خلال الملابس الملوثة، على الرغم من أن اتفاقية عام 1972 بشأن الأسلحة البيولوجية والسُمّية، التي صادقت عليها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وبريطانيا، وحظرت هذه الاتفاقية استخدام وحيازة الأسلحة البيولوجية، فإن قسمَ العمليات الخاص بوكالة الاستخبارات المركزية في الجيش في “فورت ديتريك” بولاية (ماريلاند) وشُعبة الخدمات التقنية في وكالة الاستخبارات المركزية واصلت صيانة وتطوير مخزونات العوامل البيولوجية المسببة للسرطان المستخدمة في العمليات الخَاصَّـة.

 

المعهدُ الوطني الأَمريكي لعلاج السرطان يخدُمُ المخابرات بتطوير الجراثيم السرطانية

المعهد الوطني للسرطان، في الوقت الذي كان يبحث فيه عن علاج لمرض السرطان، نسج مع وكالة الاستخبارات مشروعاً «انتقائيا» هو مشروع السرطان الفيروسي “Viral Cancer Project” الذي يبحث في التطبيقات العسكرية للعوامل البيولوجية المُسبّبة للسرطان. وكان مركز العمل في فورت ديتريك، وبعد أن تم توقيع اتفاقية الحرب البيولوجية عام 1972 من قبل الرئيس ريتشارد نيكسون، استمر العمل السري في مجال الإنتاج واسع النطاق للفيروسات المسبّبة للسرطان الذي توّج في عام 1977 بالإنتاج الناجح لـ 60000 لتر من الفيروسات السرطانية والمثبطة للمناعة. في عام 1970، أوصى نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية للتخطيط، توماس كارامسينيس بأنه إذا تم التصديق على اتفاقية الأسلحة البيولوجية المُقترحة، ينبغي نقل مخزون وكالة الاستخبارات المركزية لعوامل الحرب البيولوجية من فورت ديتريك إلى مركز أبحاث هنتينجتون لشركة بيكتون – ديكنسون، في بالتيمور.

واشتغل برنامج وكالة المخابرات المركزية والبنتاغون السرّي في فورت ديتريك على مخزون من البكتريا الوشيقية botulinum التي يمكنها أن تسبّب تسمّماً غذائياً مميتاً. شملت الأبحاثُ الأُخْـرَى النقلَ بالهباء (البخاخ الرذاذ) الجوي للفيروسات المسببة للسرطان وإنتاج «أنواع قافزة» الفيروسات التي من شأنها أن تقفز من الأنواع الحيوانية إلى البشر بقصد التسبب في السرطان.

 

رئيسُ أنغولا أولُ ضحايا سلاح السرطان

ربما كان أول ضحية من ضحايا سلاح السرطان في برنامج الاغتيال البايولوجي لوكالة الاستخبارات المركزية هو رئيس أنغولا الأول، ((أغوستينو نيتو)).

الرئيس نيتو، الذي كان مستهدَفاً من قبل وكالة الاستخبارات المركزية في انتهاكٍ لحظر الكونغرس، أصيب – وبسُرعة غريبة – بسرطان في عام 1979 وتوفي في مستشفى في موسكو قبل سن الـ 57.

ضحيةٌ أُخْـرَى لوكالة المخابرات المركزية هو الرئيس التشيلي السابق إدواردو فراي، الذي أصبح عدواً صريحاً للدكتاتور الجنرال أوغستو بينوشيه الذي نصبته وكالة المخابرات المركزية بعد إسقاطها الرئيس التقدمي سلفادور ألندي. مات فراي في مستشفى في العاصمة الشيلية سانتياغو في 22 يناير 1982 بعد إصابته بالتهاب مشبوه عقب جراحة روتينية.

 

زعماءُ أَمريكا اللاتينية المناهضون لأَمريكا يُصابون بالسرطان في وقت واحد في العصر الراهن

صمودُ دول أَمريكا اللاتينية في مواجهة الهيمنة الأَمريكية، وسعيها نحو الاستقلال من كُلّ أشكال التبعية للولايات المتحدة الأَمريكية، معركة تخوضُها هذه الشعوب الحُرة منذ القرن التاسع عشر، وفي كُلِّ مرحلة تأريخية كانت الولايات المتحدة تستخدم وسيلةً معينةً لضرب هذه الشعوب، وما أكثر الانقلابات التي دبّرتها أَمريكا في هذه الدول، أما مؤخراً ومع تطور العلم، فإن أَمريكا انتقلت إلى استخدام الاغتيال بالأمراض السرطانية، ولم تتخلَّ في ذات الوقت عن بقية الخيارات الإجرامية كالانقلابات العسكرية والحصار الاقتصادي والمالي.

في إشارةٍ إلى مؤامرة أَمريكية استغرب الرئيس الفنزولي ((شافيز)) من حقيقة كون العديد من زعماء أَمريكا اللاتينية اليساريين المُعادين لسياسة الولايات المتحدة الأَمريكية قد أصيبوا بالسرطان في نفس الوقت.

 وقال تشافيز، “أجد أنه من الغريب جداً، ومن الصعب تفسير لماذا أصيب الرئيس البرازيلي ((لويس ايناسيو لولا دا سيلفا)) وخليفته الرئيسة ((ديلما روسيف)) ورئيسة الأرجنتين، ((كريستينا كيرشنر))، بالسرطان في نفس الوقت تقريباً”، وكان شافيز نفسه أَيْضاً قد أُصيب بالسرطان.

في أغسطس من العام 2010، اكتشف رئيسُ باراغواي ((فرناندو لوغو)) أن لديه ورماً سرطانياً في الغدد اللمفاوية، تعافى لوغو، مما جعل أَمريكا تعودُ إلى الخُطة المعتادة، وأطيح بهِ في انقلاب نظمته وكالة المخابرات المركزية، في العام 2008م.

 

فيديل كاسترو يحذّر شافيز، ومورليس، من الإبر السرطانية الأَمريكية

الرئيسُ الكوبي السابق فيديل كاسترو الذي عاصَرَ لنصف قرن الحكومات الأَمريكية، وخَبِرَ أَسَاليبَها الإجرامية، ونجا من أكثر من 680 محاولة اغتيال، كان دائم التحذير للجيل الجديد من رؤوسا أَمريكا اللاتينية المناهضين للسياسة الأَمريكية، من مكائد أَمريكا الامبريالية.

قال تشافيز: إن فيدل كاسترو حذره ذات مرة قائلاً: “شافيز خذ حذرك. هؤلاء الناس لديهم تكنولوجيا متطورة. أنت مهمل جداً. خذ الحذر مما تأكله، وما يُقدم إليك من طعام. إبرة صغيرة يزرقونك بها بما لا أدري”.

وقد كان شافيز بسيطاً في حياته العامة يقبل أيادي شعبه في الساحات العامة ويزور الأحياء الفقيرة، مما جعله أكثر عُرضةً للتسميم الأَمريكي بالسرطان.

وقال تشافيز أَيْضاً إن كاسترو قلق بشأن الرئيس البوليفي ((ايفو موراليس)).. وفي كانون الثاني 2009، خضع موراليس لعملية جراحية، قام بها فريق طبي كوبي، لاستئصال ورم سرطاني اكتشف في أنفه.

كما أصيب الرئيس الكولومبي ((خوان مانويل سانتوس)) بسرطان البروستات، بعد بدء محادثات السلام بين حكومته وبين الـ(فارك) القوات المسلحة الثورية في كولومبيا وبدء تقاربه مع هذه الحركة اليسارية، وهذهِ ليست مصادفةً أيضاً.

 

إغتيالُ الرئيس الفنزولي هوجو شافيز

إن من السهل، معرفةَ مدى السخط الأَمريكي على الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز، ومدى رغبتهم بقتلهِ، وهو الذي تحدّى سياستها الاستعمارية علناً وحرم عليها نهب نفط فنزويلا، وقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وفضح أَسْبَاب غزوها للعراق، وتضامن مع الشعوب العربية ومحور المقاومة، ومثل دعماً لقوى التحرّر في أَمريكا اللاتينية، كُلّ هذه الأَسْبَاب تجعل من موتهِ مصلحةً أَمريكية مباشرة، فما هي حيثيات وفاتهِ مقتولاً، وما محاولات الاغتيال التي سبق أن تم إفشالها.

في 29 ديسمبر كانون الأول 2011 أخذت أحاديثُ الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز عن الولايات المتحدة الأَمريكية منحىً غير عادي، عندما أشار إلى أن واشنطن قد تكون وراء موجة من الإصابات بالسرطان بين رؤساء دول أَمريكا اللاتينية. إذ قال شافيز: “هل سيكون من الغريب أنهم قد اخترعوا تقنية لنشر السرطان ونحن لم نعرف عنها رغم مرور 50 عاما عليها؟” هكذا صرح شافيز، بعد يوم واحد من إعْلَان رئيسة الأرجنتين كريستينا فرنانديز دي كيرشنر أنها قد شُخّصت كمصابة بسرطان الغدة الدرقية”.

وبعد فترة من وفاة شافيز أعلن الرئيس الفنزويلي الحالي ((نيكولاس مادورو)) أن تشافيز “ضُرب” في «هجوم علمي» من جانب «الأَعْدَاء التأريخيين» لفنزويلا.

وقال الجنرال ((خوسيه أورنيلا))، رئيس الحرس الرئاسي الفنزويلي “أعتقد أننا سنحتاج إلى 50 عاماً قبل أن ترفع السرّية عن الوثيقة.. وأعتقد أنها ستكشف يد العدو المعني”.

 

الولاياتُ المتحدة حاولت قتْلَ شافيز مرّات عديدة

ردّاً على سؤال: هل تعتقدين أن هوجو شافيز قد اغتيل، وإذا كان الأمر كذلك، فمن الذين تورّطوا في ذلك برايك؟

قالت “إيفا غولينغز” المستشارة السابقة للرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز، وهي محامية وصحفية وناشطة في مجال حقوق الإنْسَان:

“أعتقد أن هناك احتمالاً قوياً جداً أن الرئيس تشافيز قد اغتيل. كانت هناك محاولات اغتيال سيئة السمعة وموثقة ضده طوال فترة رئاسته. وكان من أبرزها انقلاب 11 أبريل 2002، الذي تعرَّض خلاله للخطف وكان من المقرر أن يتم اغتياله لو لم تحصل انتفاضة غير مسبوقة للشعب الفنزويلي والقوات العسكرية الموالية له التي انقذته وعاد بعدَها إلى السلطة خلال 48 ساعة.. وكالة الاستخبارات المركزية ووكالات أَمريكية أُخْـرَى كانت وراء هذا الانقلاب ودعمت المتورطين مالياً وعسكرياً وسياسياً.

في وقت لاحق، كانت هناك محاولات أُخْـرَى ضد شافيز وحكومته، كما هو الحال في عام 2004 عندما تم القبضُ على العشرات من القوات شبه العسكرية الكولومبية في مزرعة خارج العاصمة كراكاس كان يملكها الناشط المناهض لشافيز، روبرت الونسو، قبل أيام فقط من توجههم للهجوم على القصر الرئاسي وقتل شافيز.

وتضيف ايفا: كانت هناك، مؤامرة أُخْـرَى أقلَّ شهرةً ضد شافيز اكتشفت في مدينة نيويورك خلال زيارته للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2006.

ووفقاً للمعلومات التي قدمتها الأجهزة الأمنية التابعة له، كان من المقرر أن يجري شافيز لقاء عاما مع الجمهور في جامعة أَمريكية مشهورة، حيث تم الكشف عن وجود مستويات عالية من الإشعاع القاتل في الكرسي الذي كان مقرراً أن يجلس عليه. تم اكتشاف الإشعاع بجهاز كاشف “جيجر”، وهو جهاز يدوي صغير للكشف عن الإشعاع، كان يستخدمُه الأمن الرئاسي لضمان عدم تعرض الرئيس لمخاطر الأشعة الضارة.

 

أَمريكا خلف إصابة فيديل كاسترو بمرض السرطان

كاسترو، الذي رحل أواخر العام الفائت، بعد أن نجا من 680 محاولة اغتيال أَمريكية، ونزعم أول حكومة ثورية في القارة مناهضة لأَمريكا، والذي شُخصت اصابتُهُ في وقتٍ سابق بسرطان غامض في المعدة والأمعاء، أصيب بهذا السرطان بعد حضوره “قمة الشعب” التي عُقدت بالتزامن مع قمة قرطبة ميركوسور (السوق المشتركة للجنوب) في يوليو تموز 2006 مع تشافيز ونيستور كيرشنر.

 برقية للسفارة الأميركية في بوينس آيرس بتأريخ 26 يوليو 2006، تظهر استياءَ واشنطن من وجود كاسترو وشافيز في قرطبة مع كيرشنر: «ما كان لافتاً حول القمة كانت الدرجة التي لعب فيها الأرجنتين والبرازيل، الطرفان الرئيسيان في السوق المشتركة منذ تأسيسها، أدواراً ثانوية في هذه القمة، في حين هيمن تشافيز وكاسترو». والثلاثة المشاركين في قمة الشعب، أموات الآن. توفي كيرشنر من نوبة قلبية مفاجئة وشافيز من سرطان خبيث فتك بحوضه، وكاسترو من سرطان المعدة، ولو إن تقادمه بالسن الذي جعل من موته أمراً متوقعاً لم تفتح ملف اغتياله.

ــــــــــــــــــــــــــ

*ملاحظة: المعلومات الواردة، مستقاةٌ من وثائقَ ومقالات وتصريحات صحفية لكتاب أجانب، قام بترجمتها ونشرها الباحث والمفكر العراقي الدكتور حسن سرمك حسن، في كتابة سلسلة جرائم الولايات المتحدة الأَمريكية.

You might also like