كل ما يجري من حولك

علماء اليمن.. الفقهاء الحكماء

355

حمود عبدالله الأهنومي

لأول مرة يجتمعُ علماءُ اليمن بهذا الحجم، وبهذا التنوع المذهبي، والمكاني، وفي قلب العاصمة التي تحتضن اليمنيين جميعا، والتي يتوعّدُها الغزاة وعملاؤهم ومرتزقتهم صباح مساء بالتخريب والتدمير حجراً على حجر.

 ها هي صنعاءُ تجمعُهم في مكان واحد، وفي ظلال محبة فياضة، لتقول بلسانهم: نحن هنا ضد أمريكا، وعلى النقيض من أدواتها، إلى أن ينقضي هذا العالم، وتعلن الساعة موعدها.

لأول مرة يلتقى السلفي بالزيدي، والشافعي بالحنبلي، والمستقل بالمنتمي، والتعزي بالصعدي، والحديدي بالجوفي، وهمُّ الجميع واحد، وهدفهم واحد، وبيانهم الختامي واحد، مجمَع عليه، ولأول مرة يجتمعون بعد أن مخضهم العدوان مخض السقاء، فانحاز اليمنيون منهم إلى يمنيتهم، والتحقوا بمدرستهم مدرسة الإيمان، وتحيز النجديون منهم إلى نجديتهم، فانخرطوا في مدرستهم مدرسة قرن الشيطان.

لأول مرة يجتمعون، ولا مرغّب لهم في الاجتماع سوى الحرص على اليمن، وعلى أمنها وسيادتها واستقرارها.

ولأول مرة يجتمعون فيُعْمِلون آيَ الكتاب، وصحيحَ السنة، في معالجة واقعهم السيادي، والسياسي، والإداري، والاقتصادي، والاجتماعي، ويقدمون رؤاهم في كل ذلك.

لأول مرة من ذات أنفسهم يدعون القوى السياسية لملإ الفراغ السياسي، ويشكلون لجنة لمتابعة ذلك. ولأول مرة يشكّلون نخبة منهم لتصحيح المسار، حتى لا يتولّى من لا يعرفون كتابَ الله ولا سُنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

ما حدث من اجتماع علماء اليمن ليس حدثا عابرا، بل هو استثنائي، من حيث اجتماع هؤلاء العلماء استجابة لداعي الواجب الشرعي، ونداء الضمير الوطني، ومن حيث اجتماعهم المتقدم للصفوف المجتمعية الأخرى للصدع بأقوى كلمة، وهي كلمة الجهاد ضد الغزاة الأمريكان وحلفائهم، ومن حيث خروجهم على الوضع الذي وضعوا فيه سابقاً، كسلطة دينية رديفة للشهوة السلطوية الحاكمة، لم تكن تقدم عرفاً، ولا تؤخر نكراً.

الأمة بحاجة إلى علماء، وقدوات، ينطلقون من القرآن الكريم، يشهدون لله، لا للحاكم، ويكونون أسوة للمجتمع، لا جسرا لعبور السلطة، الأمة اليوم تريدهم يصدعون بالحق أينما وكيفما ومتى كان، تريدهم يراقبون الأمور بعين الشرع، ويعون الأحداث بعين البصيرة والعقل، فيقولون رأيهم، وينطقون بواجبهم.

الإخوة السادة العلماء، قراراتكم في هذا اللقاء، ستكون جُذَيْل التجربة المحكّك، وعُذَيْقَها المرجّب، ستكون محل اختبار المجتمع لكم، فإما كان لكم أثركم على الأوضاع، أمراً ونهياً، وكنتم أدلاء هدى، ومصابيح دجى، تقولون فيُسْمَعُ لكم، وتتحركون فيستجاب لحركتكم، أو تعودوا إلى رفّ الدولاب الاحتياطي، تستَخْرَجون متى شاء الحاكم، وتعودون أدراج الإهمال والنسيان متى ما رأى في ذلك مصلحته.

العلماء ورثة الأنبياء، مؤتمنون على دين الله ومطالبون بتقديمه كما أراد القرآن الكريم هدى ورحمة وموعظة وتبياناً، لا فتنة وحروباً وتكفيراً، ومثلما علينا كمجتمع وكأمة أن نحترمهم ونقدرهم، وننزلهم منازلهم التي أنزلهم الإسلام فيها، عليهم هم أيضاً أن يشعروا بعظم هذه المكانة، وقداستها، وخطورتها، وأن يرتقوا بوعيهم، وخطابهم، وفقههم.

وبين رقي العلماء وترقية المجتمع لهم في وجدانه يحلِّق مجتمع كريم، وتطير أمة في سماء المعالى، وتغيب السفاسف، وتسكن الطمأنينة والسعادة.

لقد شاء الله أن يغادر الزبدُ من هؤلاء جفاءً خارج اليمن، وأن يثبت اليمنيون منهم أهل الإيمان والحكمة على هويتهم وبلدهم، وشاء الله أن يجتمعوا بهذا الشكل وعلى هذا النحو، ولأجل ذاكم الهدف، لتنطلق من وحي ذلك إلى واشنطن والرياض والمتسولين فيها رسالةٌ راجفةٌ ورادفة، وإلى اليمنيين الشرفاء أينما كانوا رسالة حاسمة جازمة، مفاد الرسالتين أن حجج الله ظاهرون على الحق، وأن شهداء الزور في اضمحلال ومحق، وأن الزمان تغير، والخير أقبل، والشر أدبر، والطغيان ولى، والعدوان فشل، والانتصارات الحاسمة في طريقها إلينا، ووعي اليمنيين في تنامٍ، وغاياتهم في اطراد، وحينها يمن الإيمان يكون قد أشرق بنور الهدي، واستطال بعمود القوة، واستضاء بحكم الفقه اليماني، واتّزن بمعيار الحكمة اليمانية.

You might also like