كل ما يجري من حولك

إبطال الأحاديث الوهمية في فضل صيام عاشوراء

620

 

عدنان الجنيد

ها هم الناسُ في هذه الأيام – بداية شهر المحرم- يستعدون لصيام عاشوراء ولهم به شغَفٌ واهتمامٌ وكأنه صومٌ مفروضٌ عليهم..

 وفي أول جمعة من شهر محرّم وجدنا خطباء المنابر يحثون الناس على صيامه، ويسردون الأحاديث في فضله.

هذا ناهيك عن المنشورات التي ستوزع، وربما قد بدأوا بتوزيعها والأوراق اللاَّصقة التي يضعونها على جُدران المساجد والتي تتكلم عن فضائل هذا اليوم، فيا ترى لماذا هذا الاهتمام لم يكن في صيام عرفة وهو أفضلُ من يوم عاشوراء من حيثُ غفران الذنوب وزيادة الأجور؟! ولماذا – أيضاً – لم يوجه اهتمامهم لصيام الست من شوال أَوْ أي يوم وردت أحاديث في فضله؟!.

إن سر اهتمامهم في صيام عاشوراء وإظهار الفرح فيه ستعرفه في ثنايا هذا المقال، ونحن لا نرى بأساً في صيام أي يوم من أيام السنة باستثناء العيدين، ولكن اهتمامهم الشديد بصيام هذا اليوم وإظهار الفرح فيه واعتباره سنةً مؤكدةً، بل فريضة أمر بها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.. هذا عند البعض، والبعض الآخر يرى أن صومه كان فريضة إلا أنه نُسخ بقوله تعالى { فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، كُلّ هذا يجعلنا في موضع استغراب ودهشة من هذا الاهتمام الزائف الذي جاء في غير محله.

وها أنا سأذكر أدلتهم التي يتمسكون بها في صيام هذا اليوم وسيتضح لك بأنها أوهى من خيط العنكبوت، روى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ((قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجا الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى قال: فأنا أحق بموسى منكم، وأمر بصيامه)) اهـ.

قلت: إن قدومه صلى الله عليه وآله وسلم المدينة كان في ربيع الأول فكيف وجدهم يصومون عاشوراء وهو العاشر من شهر المحرم؟! فإن قالوا: بأنه صلى الله عليه وآله وسلم انتظر حتى جاء شهر المحرم فوجد اليهود يصومون عاشوراء فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين أن يصوموه.

نقول: كيف وجدهم يصومون عاشوراء مع أنَّ حسابهم للشهور غير حساب المسلمين؟! فإذا قالوا: ربما كان حسابهم بالسنين الشمسية فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه النبي صلى الله عليه وَآله وسلم.

نقول: هل كُلّ سنة يصادف حسابهم يوم عاشوراء؟!

هذا عدا عن أن اسم عاشوراء إسلامي لا يعرف في الجاهلية كما في النهاية لابن الأثير.

 والعجبُ أن هناك روايةً تقول بأن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: – بعد ما أمرهم بصيام عاشوراء- إذا كان العام القابل لأصومن تاسوعاء.

إلا أنه صلى الله عليه وآله وسلم كانت وفاته في العام القابل فلم يصم تاسوعاء هذا بحسب قولهم وتبريرهم لهذه الرواية.

أقول: إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد رأى اليهود يصومون عاشوراء في السنة الثانية – إن لم نقل في الأولى، أَوْ حتى في الثالثة أَوْ الرابعة أَوْ الخامسة-.. فلماذا لم يصم تاسوعاء في العام الذي يليه طالما أنه قال (إذا كان العام القابل لأصومن تاسوعاء) ومعلوم أن وفاتَه صلى الله عليه وآله وسلم كانت في السنة الحادية عشرة؟!.

فهل يُعقل أن يبقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة تسع سنوات – إذا فرضنا أنه صام عاشوراء في السنة العاشرة – ولم يعلم بصوم عاشوراء ولم يسمع أَوْ يرى اليهود يصومون هذا اليوم إلا قبل وفاته بسنة ثم توفى ولم يدرك صوم تاسوعاء!! هذا مع أن اليهود في يوم عاشوراء يفعلون العكس فهو عندهم ليس يوم صيام بل يوم أكل وذبح، وأنظر العهد القديم (التوراة) سفر الخروج تجد صدقَ ما قلناه، ولقد اطلعتُ على بعض المواقع والمجلات وفيها أن بعضَ الباحثين قام بالاتصال بجامعة ستانفورد في الولايات المتحدة فسألهم عن صيام اليهود في عاشوراء فأجابوه بأن اليهود لا يصومون هذا اليوم أصلاً، ثم قال: – هذا الباحث – ويمكن التأكد من ذَلك بالاتصال بالجامعة عن طريق الانترنت.

 ومما يدل –أيضاً- على بُطلان أحاديثهم التي تحث على صيام عاشوراء هو (أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يكرهُ موافقة أهل الكتاب في كُلّ أحوالهم حتى قالت اليهود: ما يريد هذا الرجلُ أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا) وفي الحديث: “(من تشبه بقوم فهو منهم) هذا إذا كان اليهود يصومون هذا اليوم مع أنك قد علمت سابقاً بأنهم لا يصومون هذا اليوم بل يفعلون عكس ذَلك ولو سلّمنا- جدلاً- بأنهم يصومون عاشوراء فهل يعقل أن يتبع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شرائع اليهود الذين حرّفوا الكلم عن مواضعه؟ قال تعالى {من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه} لا يعقل ذَلك؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى المسلمين عن إتباعهم والأخذ عنهم. فقد روي عن أحمد عن جابر بن عبدالله أن عمرَ بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فغضب وقال: أمهوكون فيها يا بن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لو أن موسى حي ما وسعه إلا أن يتبعني).

وفي رواية: فغضب وقال: لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أَوْ بباطل فتصدقوه. وروى البخاري من حديث الزهري عن ابن عباس أنه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحدث الكتب تقرؤونه محضاً لم يُشب، وقد حدثتكم أن أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيّروه، وكتبوا بأيدهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً!! ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل إليكم!!

وروى ابن جرير عن عبدالله ابن مسعود انه قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أَوْ تصدقوا بباطل” قلتُ: وأما الأحاديث التي تبيح الأخذ عن بني إسرائيل فإنها مفتعلة من قبل أحبار اليهود الذين أرادوا بوضعها تمهيد السبل لبث خرافاتهم ودجلهم وأكاذيبهم في مصادر ثقافتنا الإسلامية وهدفهم من وراء ذلك كله إبعاد المسلمين عن كتاب الله تعالى وتشويش الفكر الإسلامي.

وفعلاً استطاع الكاهنان – كعب ووهب- أن يبعدوا كثيراً من الناس عن كتاب الله، وذَلك أن بعضَ الصحابة قد اغـتروا بإسلامهما فأخذوا يروون عنهما تلك الإسرائيليات التي ملأت كتبَ التفاسير والتي تتعارض مع كتاب الله تعالى وتتنافى مع عصمة الأنبياء عليهم السلام وتتنافى- أيضاً – مع الذوق والعقل السليم.

ممَ مَرَّ سابقاً اتضح لكل ذي لب وإنصاف بأنَ الأحاديثَ التي يستدلون بها على صيام عاشوراء باطلة وأما الأحاديث التي وردت في فضل عاشوراء فهي موضوعة، قطعاً افتعلها الأمويون بقصد أن ينسى المسلمون فاجعة كربلاء التي استشهد فيها الإمام الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

الذي قال فيه الرسولُ الأكرم “حسيـــن مني وأنا من حسيـــن أحـــــب الله من أحـــــب حسينـــــا”.

 فقد كان استشهاده هو وأهل بيته -عليهم السلام- في العاشر من المحرم، ولأن المسلمين كانوا يقيمون في هذا اليوم المعازي والمآتم الحسينية، فقد خاف الأمويون على ملكهم من قيام ثورات حسينية، ومن ثم عمدوا إلى وضع أحاديث في الفضائل تنص على الصيام وبذل الصدقة وإطعام الطعام والفرح والاستبشار بعيد يوم عاشوراء، وقد أنكرها ابن حجر الهيثمي كما في صواعقه المحرقة (2/534) حتى ابن تيميه حكم عليها بالوضع، أنظر كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم): (1/300(.

يقول البيروني- بعد ذكر ما جرى على الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء: فأما بنو أمية، فقد لبسوا فيه ما تجدد، وتزينوا، واكتحلوا وعيدوا، وأقاموا الولائم والضيافات، واطعموا الحلاوات، وجرى الرسمَ في العامة على ذلك أيام ملكهم، وبقي فيهم بعد زواله عنهم، وأما أهل البيت وشيعتهم فأنهم ينوحون ويبكون أسفاً لقتل سيد الشهداء فيه)، ويقول المقريزي بعد أن ذكر أن العلويين المصريين كانوا يتخذون يوم عاشوراء يوم حزن تتعطل فيه الأسواق: “… فلما زالت الدولة اتخذ الملوك من بني أيوب يوم عاشوراء يوم سرور، يوسعون فيه على عيالهم، وينبسطون في المطاعم، ويتخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون، ويدخلون الحمام جرياً على عادة أهل الشام، التي سنَّها الحجاجُ في أيام عبدالملك ابن مروان، ليرغموا به شيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الذين يتخذون يوم عاشوراء يومَ عزاء وحزن على الإمام الحسين؛ لأنه قتل فيه، – إلى أن قال- وقد أدركنا بقايا مما عمله بنو أيوب من اتخاذ عاشوراء يوم سرور وتبسط…”.

إذاً فهذه الأحاديث التي وردت في فضل عاشوراء موضوعة وقد أنكرها كثيرٌ من الأئمة، فهذا جعفر الصادق يقول: “لما قُتل الحسين عليه السلام تقرَّب الناس بالشام إلى يزيد فوضعوا له الأخبارَ وأخذوا عليها الجوائز من الأموال، فكان مما وضعوا له أمرُ هذا اليوم فقالوا إنه يوم بركة ليعدل الناسُ فيه عن الجزع والبكاء والمصيبة والحزن إلى الفرح والسرور والتبرك”.

وقد أنكر – أيضاً – أحاديثَ فضائل عاشوراء ابن حجر الهيثمي في صواعقه المحرقة حتى ابن تيمية –وهو إمام المتمسلفين– يقول في كتابه “اقتضاء الصراط المستقيم”: … وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء، وتوسيع النفقات فيه هو من البدع المحدثة، المقابلة للرافضة”، والعجيب أن الفقهاء تقبلوا هذه الأحاديث – في فضائل عاشوراء – تقليداً لمن سبقهم دون تمحيص لها، والأعجب أن الناس في يوم عاشوراء ينصِّرون على أسقف بيوتهم (أي بإشعال النيران) فرحاً واستبشاراً بهذا اليوم، وهذا كان يحدث قبل خمسة وعشرين عاماً، بحسب ما أخبرني الثقاة.

وهذا التنصير كان يحدث في قرى صبر محافظة تعز حتى أن الناس كانوا لا يدرون لماذا ينصّرون من هذا الفعل ومع مرور الزمن تبين لهم أن هذا الفعلَ – التنصير – إنما أحدثه النواصب فرحاً لمقتل الإمام الحسين وأهل بيته وشيعتهم عليهم السلام.

وفعلاً انتهى التنصير إلى يومنا هذا في قرى صبر وما حواليها بفضل جهود بعض الصالحين.

وهذا التنصير إنما ابتدأ به صلاح الدين الأيوبي فقد جعل من يوم عاشوراء عيداً بمصر، ولم يكن معروفاً بها، وقد سبق أن ذكرنا ما ذكره المقريزي آنفاً.

قلت: ولا يُلامُ من بكى على شهيد الإنسانية الإمام الحسين عليه السلام، فإذا كان سيدُنا يعقوب – عليه الصلاة والسلام – بكى على فقدانه لسيدنا يوسف- عليه الصلاة والسلام – حتى ابيضَّت عيناه من الحزن، كما أخبرنا الله تعالى عنه في القرآن الكريم فكيف لا يبكي عشاقُ الحسين ومحبوه وقد ذبحه كلابُ النار وفصلوا رأسه عن جسده عليهم من الله اللعنة السوداء، فلا غرو أن يحزن الناس بل الإنسانية جمعاء ويبكون عليه إلى قيام الساعة، سلامُ الله عليه وعلى أصحابه وعلى مَن والاه إلى يوم الدين.

واللهُ يقولُ الحقَّ وهو يهدي السبيل..

You might also like