كل ما يجري من حولك

مؤتمر جنيف حول الشأن اليمني ولد ميتا قبل أن يبدأ

439

بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني

وأخيرا تمكن الوفد اليمني القادم من صنعاء من الوصول الى جنيف بعد أن عمل آل سعود ومن لف لفهم على عرقلة وصولهم الى عاصمة سويسرا وذلك بمنع الطائرة من استخدم الأجواء المصرية والسودانية.

وقيل أن آل سعود قد قاموا بدفع الأموال لكل من مصر والسودان على استجابتهم للطلب السعودي هذا. والجميع يعلم من خلال الوقائع التاريخية أن السياسة الخارجية السعودية قد بنيت على شراء مواقف الدول وشراء الذمم من الافراد هنا وهناك، وهذه لا تحتاج الى كثير من البحث والتنقيب.

والشواهد على ذلك كثيرة وللتذكير فقط في بعضها لمن تكون قد خانته ذاكرته أو يريد أن يتناسى لسبب أو لآخر.

الم يحاول آل سعود شراء الموقف الروسي بالنسبة الى سوريا وبالتحديد للرئيس الدكتور بشار الأسد حيث عرضت مقابل ذلك المليارات لشراء صفقة أسلحة من روسيا الى جانب التعهد بعدم منافسة شركات البترول والغاز الروسية في الأسواق الأوروبية وكذلك ضمانات أن لا تقدم المجموعات الشيشانية الإرهابية (التي يعمل معظمها الان في سوريا والعراق) على أي عمل إرهابي من شأنه أن يعطل دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في احدى المدن الروسية، وذلك في الزيارة الشهيرة التي قام بها أمير الارهاب الأمير بندر بن سلطان؟

ألم يقم آل سعود بدفع 2 مليار دولار للحكومة الباكستانية للتخلي عن التعاقد الذي يتم بموجبه بناء خط انابيب داخل الأراضي الباكستانية لربطه مع الخطوط القادمة من داخل الأراضي الإيرانية الذي تم وأكمل بناءه وذلك لتزويد الباكستان بالغاز والبترول الإيراني عن طريق الانابيب بين البلدين، والتي كان الاقتصاد الباكستاني بأمس الحاجة اليه؟

ألم يتعهد آل سعود بدفع مليارات من الدولارات لباكستان في حالة مشاركتها بالعدوان على اليمن وعندما رفض البرلمان الباكستاني ذلك قامت الدنيا ولم تقعد في الدول الخليجية التي تطاول بعضها على باكستان وهدد بطرد العمالة الباكستانية في بلاده وهنالك ما يقرب من 2 مليون باكستاني يعمل في السعودية فقط؟

أما في اليمن فهي قامت منذ مطلع الستينات ان لم يكن قبل ذلك بشراء ذمم بعض شيوخ القبائل اليمنية وعناصر من القوى السياسية ودفع الملايين سنويا لبعضهم مباشرة للإبقاء على ولاءهم لآل سعود ولمخططاتهم للإبقاء على حالة من عدم الاستقرار في اليمن وعدم إقامة الدولة الوطنية بها؟

ألم يحتضن آل سعود الرئيس المستقيل والهارب “وحكومته” في فنادق الخمسة نجوم في الرياض “لادارة” البلاد من خارجها ودفع رواتبهم وضمان عيشهم الرغيد؟

بينما هي تقوم بتدمير البلاد والعباد في اليمن أو ما تبقى منه بعد أكثر من ثلاثة أشهر من القصف المستمر اليومي بالطائرات والاسلحة المتطورة وكذلك المحرمة دوليا كالقنابل العنقودية والفسفورية والنيوترونية.

فالأرض اليمنية فتحت أمام شركات الأسلحة العالمية الامريكية والإسرائيلية على وجه التحديد لتكون مختبرا حيا للأسلحة الجديدة ومدى حجم الدمار البشري والمادي الذي يمكن أن تحدثه، وآل سعود يقومون بتغطية كافة النفقات بالطبع لذلك.

آل سعود عملوا ويعملون بكل الوسائل لتعطيل أي حوار بين المكونات السياسية اليمنية في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة تمهيدا لاستكمال المفاوضات بين هذه المكونات داخل اليمن.

ففي نهاية المطاف الحل يجب أن يكون يمنيا دون أي تدخل خارجي من أي طرف كان.

الطرف أو الأطراف الخارجية قد تسهل الأمور ولكنها يجب أن لا تكون طرفا في الصراع ومناصرة طرف على طرف.

المكونات السياسية اليمنية كانت على اعقاب قوسين سابقا من توقيع الاتفاق فيما بينها قبل أن يقوم آل سعود بعدوانهم البربري على اليمن تحت غطاء “عودة الشرعية” ومنع “التمدد الشيعي” والحد من “التدخل الايراني” والحفاظ على ” أمن الخليج” وعدم سيطرة أنصار الله على مضيق باب المندب ..الخ من الأسباب الواهية والتي لا أساس لها من الصحة على الاطلاق. واليوم نرى أن وفد “الطراطير” القادم من السعودية ينطق بما تريده السعودية وهو تحقيق ما عجز عدوانها وتدميرها لكل البنى التحتية وقطاع الخدمات الصحية والطبية والتعليمية وغيرها، وقتل ما قرب من 2500 شهيد وتشريد الملايين وعشرة ملايين يمني مهدد بالموت بسبب القصف والحصار البري والبحري والجوي الجائر وغير الشرعي…الخ والقائمة تطول.

آل سعود يريدون تركيع الشعب اليمني بكل مكوناته واحضاره الى بيت الطاعة بيت آل سعود الذين يشعرون بزمن آفول سلطتهم وهيبتهم وهيمنتهم، ويعتقدون ان بإمكانهم ارجاع بعض من “رجولتهم” باستخدام القوة والقتل والامعان في جرائمهم ووحشيتهم الوهابية، لعل الطرف الاخر الذي تمرد وثار على الظلم والعبودية يرضخ تحت الضغط، وما عمليات القصف العشوائي المستمرة على اليمن لتدمير كل شيء الا محاولة لإخضاع الشعب اليمني وفك ارتباطه بالقوى الحية التي تقاتل العدوان واذنابه في الداخل وتنظيم القاعدة والدواعش في اليمن وتدافع عن الكرامة والحرية للشعب اليمني بأسره.

وفد الطراطير الذي تطلق عليه وسائل الاعلام وفد الرياض يقول على لسان مسؤوليه أنه قادم ليس للحوار أو المفاوضات بل للتشاور في آلية تطبيق القرار الاممي 2216 والاستناد الى المبادرة الخليجية، وعلى أنه إذا لم يلتزم الطرف الاخر والمقصود هنا بالطبع انصار الله وقوى المقاومة الشعبية والجيش الشرعي اليمني بالانسحاب من المدن الرئيسية التي احتلوها (فاليمن بمفهوم آل سعود ليست لليمنيين) وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها ( ربما تلك التي تسقطها الطائرات السعودية لمرتزقة الرئيس الفار المستقيل هادي وكذلك التي تمد بها تنظيم القاعدة وداعش “بالخطا” الى جانب الاخوان المسلمين من حزب الإصلاح)، وعودة الحوثيين الى صعدا، والا فان القصف سيستمر الا أن تتحقق هذه الشروط. ان دل هذا على شيء فإنه يدل على عدم جدية ولو ضئيلة للعمل على انهاء الازمة في اليمن أو إعطاء اية أولوية أو انتباه للشعب اليمني ومعاناته وهو ما يدعي الطراطير تمثيله بشرعيتهم المستمدة من آل سعود.

هذا بالإضافة الى ان ذلك يدلل على مدى الغباء الي يتمتع به هؤلاء الطراطير ومديريهم في الرياض، حيث لا يوجد أي سابقة في التأريخ الإنساني استطاع من خسر أو يخسر الأرض أن يفرض شروطه على طاولة المفاوضات.

عدم جدية آل سعود لإيجاد أي حل للازمة اليمنية في جنيف واضح أيضا من الشكليات التي يطرحها وفد الطراطير لإجراء التشاور مع المبعوث الاممي في جنيف المتمثلة بالتمسك والإصرار على ان يتشكل كل وفد من الوفود المشاركة بالمؤتمر بسبعة أعضاء فقط غير قابلة للتبديل وأن يمنع أي من أعضاء الوفود التي حضرت عدا عن السبعة الذين يعلن عنهم بالتواجد في مقر الأمم المتحدة في جنيف، بمعنى عدم تواجدهم في المبنى التي يدور فيها التشاور ربما حتى لشرب فنجان قهوة.

وعلى انه اذا لم يتم تسليم قائمة بهذه الأسماء لوفد الطراطير اليوم فان ذلك يعني انتهاء المؤتمر والعودة الى مكاتبهم في الرياض ( ربما لانهم يشعرون براحة أكثر هناك لان مستوى الخدمات أفضل).

بالله عليكم هل هنالك سخافة أكثر من هذا؟ آل سعود بالطبع لا يتصرفون بكل هذا الا لأنهم كأدوات يتلقون كل الدعم السياسي والعسكري والقانوني من الدول الغربية وعلى راسها الولايات المتحدة بحكم أنهم يشكلون جزءا من منظومة ورؤيا استراتيجية للمنطقة برمتها.

مخطأ وساذج من يظن أن آل سعود يتصرفون بشكل فردي أو انهم يمتلكون القرار، وان كانوا قد أعطوا هامش من الحرية يتصرفون ضمنه.

الدول الغربية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا ادعت أنها حاولت “اقناع السعودية ” بوقف ضرباتها الجوية على اليمن على الأقل لإعطاء فرصة إيصال المساعدات الطبية والغذائية والانسانية ولكنها أي السعودية رفضت ذلك.

هل هذه نكته؟ هي كذلك بالفعل. لو ارادت هذه الدول ان تجبر السعودية على إيقاف العدوان الذي يقوده آل سعود من الواجهة على اليمن لقامت ببساطة على عدم امداد السعودية بالذخيرة والصواريخ والقنابل العنقودية والفسفورية، وتوقفت عن الدعم اللوجيستي وتحديد المواقع للطائرات “السعودية”، وتوقفت عن تزويد الطائرات بالوقود وهي في الجو وهو ما اعترفت الولايات المتحدة أنها تقوم ببعض منه منذ بدء العدوان.

لو ارادت هذه الدول اجبار آل سعود على وقف هذا العدوان الذي تدعي انه سعوديا لتراجعت أو الغت غرفة العمليات التي تدير العدوان السعودي الأمريكي الإسرائيلي على اليمن من داخل الأرضي السعودية.

لو انها أرادت أن توقف العدوان على اليمن لتنادت بعقد اجتماع لمجلس الامن الدولي واجبار السعودية من خلاله بوقف عدوانها كما تنادت سابقا لإعطائها الضوء الأخضر لاستكمال عدوانها الذي كانت قد بدأته.

أو على الأقل لفرضت عليها إيصال المساعدات الإنسانية والطبية التي تنتظر ليس بعيدا عن السواحل اليمنية وفك الحصار الذي تشارك فيه الدول الغربية بشكل مباشر أو غير مباشر تدعي انه تحت غطاء “الشرعية الدولية”.

لو ارادت هذه الدول والأمم المتحدة ان تساهم بشكل إيجابي بحل الازمة في اليمن كان عليها تحمل مسؤولية إيصال وفد المكونات السياسية اليمنية من صنعاء الى جنيف وعدم الرضوخ الى المطالب والضغوط وعمليات الابتزاز التي مارسها آل سعود سواء على بعض الدول أو على ممثلي الأمم المتحدة.

لو ولو ولو…… ما أردنا التأكيد عليه هنا هو أن القضية اليمنية لا يجب النظر اليها كقضية منفصلة عما يدور في المنطقة من سوريا الى العراق الى ليبيا الى مصر ولبنان والمغرب العربي.

الارتباط بينها هو ارتباط عضوي وما آل سعود ومجلس التعاون الخليجي (باستثناء سلطنة عمان) والجامعة العربية الا أدوات توظف وتدار وتوزع عليها الأدوار ضمن المخطط الامبريالي للمنطقة التي يحاول تدميرها وزعزعة استقرارها وإعادة ترتيب وتركيب الوضع الجيوسياسي القائم بها. وللذين يعولون على مؤتمر جنيف نقول ان مؤتمر جنيف ولد ميتا سياسيا، ولكن هذا لا يمنعنا من الامل على الأقل ان يتحقق وقف العدوان الهمجي لفترة طويلة أثناء الشهر الفضيل حتى يتسنى للشعب اليمني لملمة جراحه، ودفن شهداء الوطن، وايصال المساعدات الطبية والإنسانية لعشرات الملايين من اليمنيين.

ولا طريق أو خيار أمام الشعب اليمني كما هو الحال لشعوبنا في المنطقة الا خيار المقاومة.

 

المصدر : المنار

You might also like