كل ما يجري من حولك

أرض السدود بلا سدود!

80

 

بقلم الشيخ عبد المنان السنبلي.

إذا كان كُـلُّ ما تمتلكه بلدٌ بحجم (مصر) مثلاً من الأراضي الخصبة والصالحة للزراعة والتي يشقها من جنوبها إلى شمالها نهرٌ بطول وعذوبة نهر النيل يعادلُ مليوني هكتار تقريبًا، فَـإنَّ مجموع ما تمتلكه اليمن من هذه الأراضي الخصبة والصالحة للزراعة يصل إلى أكثر من مليوني ونصف المليون هكتار تقريباً!

هذا يعني أن اليمن على صغر مساحتها وتضاريسها المتعرجة مقارنةً مع طول وعرض مساحة مصر تعتبر بلداً زراعياً من الطراز الأول.

في الواقع لقد أدرك اليمنيون الأوائل هذه الحقيقة واشتغلوا في الزراعة منذ بداية التاريخ وأقاموا حضارةً يشار إليها بالبنان على أكتاف ومناكب هذه الحرفة إلا أن الحلو – وكما يقولون – لا يكتمل فقد ظلت مشكلة شحة المياه وقلة مواردها تشكل هاجساً يؤرقهم ويقض مضاجعهم وذلك نظراً لعدم وجود ما يشبه البحيرات هناك أَو الأنهار أَو حتى المصبات المائية أَو…، وبالتالي فقد انحصر اعتماد اليمنيين في الجانب الزراعي على ما تجود به لهم السماء من امطارٍ موسميةٍ فقط إلا أن استفادتهم ولسوء الحظ من هذه المياه لم يكن كَبيراً، فمعظمها للأسف الشديد كان يذهب سدىً في صورة سيولٍ متدفقةٍ إما إلى البحر أَو يغور في الصحراء!

طبعاً فكر اليمنيون جيِّدًا في كثيرٍ من الحلول والحيل لمواجهة هذه المعضلة فلم يجدوا سوى السدود والحواجز المائية حيلةً مناسبةً وحلاً دائماً لها، وفعلاً بدأوا بإنشاء السدود والحواجز المائية وفق دراساتٍ منهجيةٍ وخططٍ مجربةٍ مدروسة أثبت ذلك طبعاً حصيلة ما قاموا به وصنعوه، فكانت المعجزة!

أقاموا واحدةً من أقدم وأعرق الحضارات الإنسانية في الدنيا لدرجة أن جميع الكتب السماوية لم تستطع أن تغفل عن سردها أَو التعرج إليها.

فقط في منطقةٍ واحدةٍ بحجم (يريم) كان يوجد هنالك ثمانون (سداً) أَو كما اورد ذلك أحد شعرائها القدماء في قصيدةٍ له قائلاً:

وريدان قصري في ظفار ومنزلي

بها أسَّس جدي دورنا والمناهلا

على البقعة الخضراء من أرض يحصبٍ

ثمانون سدا تقذف الماء سائلا.

إلا أنه ولما بدأت الأجيال المتعاقبة تتجاهل أهميّة دور مثل هذه السدود والحواجز وأهميّة الحفاظ عليها وترميمها المستمر معتمدين في ذلك طبعاً على ما ظلت تغذيه هذه السدود والحواجز لقرونٍ طويلةٍ من مياه جوفية وعيون مائية فقد بدأت هذه السدود بالتصدع والانهيار واحدةً بعد أُخرى والتي كان آخرها (سد مأرب) العظيم والذي بانهياره انهارت معه اليمن وحضارة اليمن وتفرقت أيادي أبناء سبأ من يومها وذهبوا شتاتاً في ارجاء وأصقاع المعمورة.

العجيب في الأمر أن اليمنيين لم يدركوا أهميّة وجود وإقامة مثل هذه السدود والحواجز المائية إلا اليوم وذلك حين بدأ مخزون المياه الجوفية بالاضمحلال والنفاد نتيجة عوامل كثيرة منها وعلى سبيل المثال لا الحصر، الحفر العشوائي للآبار الجوفية واستنزافها في زراعة القات وو.. والكثير من العوامل، إلا أن عدم وجود السدود والحواجز المائية يبقى هو العامل والعنصر الأهم في هذا الموضوع نظراً لما تمثله من أهميّة كبرى في التغذية المستديمة والغير مكلفة للمياه الجوفية.

فماذا فعل اليمنيون اليوم؟! هل عادوا وبنوا السدود من جديد؟! أم ماذا؟!

نعم سخرت ميزانية ضخمة لهذا الجانب وبنيت الكثير من السدود والحواجز المائية ولكن للأسف الشديد بدون دراسة ووفقاً لأسسٍ غير علمية صحيحة خَاصَّة وأن كَثيراً منها كان يأتي فقط لمُجَـرّد تلبيةً لمطالب مناطقية عشوائية أَو كعملية توزيع مشاريع (والسلام) وهذا ما يفسر طبعاً تسجيل وتوثيق حالات خلو العديد من السدود والحواجز المائية في أماكن كثيرة من المياه حتى في موسم الامطار نفسه بما يدلل أنها قد بنيت بدون دراسة علمية صحيحة وفي غير مناطق وأماكن تدفق السيول.

حتى سد مأرب والذي أعيد بناءه على مقربةٍ من السد القديم وبسعةٍ مائيةً أكبر اضعافاً وأضعافاً يبدو أنه لم يفي بالغرض الأَسَاسي الذي بني؛ مِن أجلِه الأمر الذي جعله يبدو وكأنه لم يقدم شيئاً يذكر أمام ما كان يقدمه ويغطيه السد القديم في الأزمان الغابرة، ولا أدري بصراحة هل هذا ناتجٌ عن سوء إدارة وتحكم أم يعود في الأصل إلى سوء دراسةٍ وتخطيط أَدَّى إلى بنائه في المكان غير الصحيح والمناسب أم أنه وكما يقول البعض؛ بسَببِ عدم استكمال القسم الثاني من المشروع والمتعلق باستكمال بناء قنوات ومجاري الري أم أنه لأسباب أُخرى لا نعلم في الواقع حقيقتها.

كل الذي نعلمه فقط هو أن سد مارب الجديد قد فشل بالقيام بالدور الذي كان مرجواً منه لحظة بنائه.

وهكذا تبدو اليمن على كثرة ما فيها من سدود وبسبب هذه العشوائية والانتقائية في بناء معظم هذه السدود، تبدو وكأنها خاليةً من السدود، فالمياه الجوفية تسير في طريقٍ متسارعٍ إلى النضوب والاضمحلال وعملية الاستنزاف والإهدار قائمةٌ على قدمٍ وساق والأجهزة المعنية بدورها نائمة كعادتها في العسل!

فقط ما عليك إلا أن تقف على سائلة صنعاء طوال موسم الأمطار وتنظر كيف أن بحراً يجري من أمامك وبكل أريحيةٍ كُـلّ ثاني أَو ثالث يومٍ على الأكثر في طريقه المعتاد إلى الصحراء، حَيثُ يتشتت شمله ويلقى حتفه هناك، وكم من سيلٍ وسيلٍ على ذات الشاكلة في أكثر من منطقةٍ ومكانٍ في اليمن يلقى ذات المصير طبعاً للأسف الشديد ولا اكتراث!

على أية حال..

وكما أنه لم يعد خافياً على أحد أهميّة ووجود مثل هذه السدود والحواجز المائية فَـإنَّه قد بات على اليمنيين لزاماً اليوم استشعار هذا الخطر الداهم والشروع فورًا بإعداد دراسة حقيقية تقوم على أسسٍ علميةٍ بحتةٍ وسليمة لتحديد أماكن ومناطق ومنابع وممرات ومساقط السيول وكذلك تحديد الأماكن والمناطق المناسبة لإقامة السدود والحواجز المائية التي تحتضن مثل هذه السيول أَو التي تستطيع احتضان البعض منها وترحيل الفائض إلى سدود وحواجز أُخرى بصورة لا يجد له السيل معها في الأخير فرصةً أَو سبيلاً للضياع في الصحراء أَو اللجوء اضطرارياً إلى معانقة البحر.

عندها فقط نستطيع أن نقول: إن اليمن قد عادت من جديد وكما كانت من قبل أرضاً للسدود وبساطاً للخضرة الدائمة بلا منافس، فاليمن لم تخلق لتكون أرضاً بلا سدود!

You might also like