كل ما يجري من حولك

لغة وأنظمة الحكم في اليمن قبل الميلاد!

189

متابعات – خالد اشموري

لاشك أن تشكل المجتمع اليمني جاء بعد تشكل اللغة بداية بالحروف … وتعتبر حروف المسند اليمني من أوائل الحروف التي عرفت في التاريخ ويؤكد الباحثون أن اللغة المعينية وحروفها أقدم عهداً بكثير من سائر لغات الساميين وكتاباتهم , فقد اقتبست حروف لغاتهم عن حروف اللغة المعينية بعد إن تم تعديلها وفق أوضاعها وبعد أن حصلت عليها من خلال علاقتها التجارية مع الدول اليمنية القديمة .

وعندما يدفق القارئ في أحرف المسند يجد أن أشكال الحروف المعينية والسبئية والحميرية لا تختلف عن بعضها , وكذا هو الحال بالنسبة للمصطلحات … تتضح هذه الحقيقة التاريخية من خلال الآثار المكتشفة خاصة في منطقتي (الجوف ) و(مأرب ) مما يدل أن الدول اليمنية القديمة إنما هي في الأصل واحدة , وأثبتت الدراسات أن الخط الحبشي الذي لا زال يستعمل حتى يستعمل حتى اليوم في اللغة (الأمهرية ) الحبشية والاريترية إنما هو فرع خط المسند اليماني ,نقله إلى الحبشة أقوام يمانون هاجروا من اليمن إلى الحبشة .

يقدر المستشرق الألماني السيد ( جلازر ) أن الكتابة المعينية ترجع إلى ما قبل تاريخ ميلاد المسيح بألف عام , ومع ذلك فإن تاريخ الكتابة المعينية أكثر بكثير من تقديرات السيد(جلازر) ثبت ذلك من خلال الاكتشافات الأثرية والتي هي عبارة عن كتابة مسنديه حفرها اليمنيون نقشا على أحجار صلدة ورخامية , تروي لأجيال اليوم ما كان يجول في حياتهم وأنظمة دولهم قبل آلآف السنين وذلك ما أكد عليه الباحث (مولر) من خلال دراستة لنقوش معينية عثر عليها في منطقة (الجوف )يقول عن المرحلة المعينية (إن الحكم في الدولة المعينية وراثي من الأب إلى الابن الأكبر سنا في العائلة المالكة , وقد ينقل إلى الإناث في حالة عدم وجود ذكور ) ويعتبر الملك هو الزعيم الأعلى , ويلية الأقيال الذين يتمتعون بسلطات واسعة في مناطقهم ولكن يظل مرجعهم الملك .

ومن الملوك من كان يسمى (تبع ) إذ كان ينضم إلى حكمه ملوك عدة .. ويعني لقب (تبع) في مثل هذه الحالة (إمبراطور)قياسا إلى تسميات زمننا الحاضر .

ومن هذا المنطلق اعتبر الباحثون أن أول نظام سياسي تأسس في عهد معين، بإعتبار أن الآثار اليمنية لم تكشف النقاب بعد عن دولة سبأ الأولى , وهي دولة أقدم وجود من دولة معين …. وأبرز من تناول هذا الموضوع من خلال تناوله للحياة العامة للدول العربية الجنوبية (اليمن ) وأهم من فسر أنظمة حكمها هو الدكتور (نيكلوس ) روددو (كاناكيس )

الذي خصص فصلا كاملا في كتابة (التاريخ العربي القديم ) تناول فيه أنظمة الحكم للدول اليمنية القديمة وأثر أنظمتها على الأقطار الأخرى , ومن القضايا التي أكدها قوله (الحقيقة التي يجب تقديرها هي أن أنظمة تلك الدول العربية الجنوبية الاقتصادية لم تقتصر على جنوب الجزيرة العربية، بل امتدت خارجها واتصلت بالتجارة العالمية وأثرت فيها زمناً بعيداً ، فبلاد العربية الجنوبية كانت بلاد تصدير وتجارة مرور للبخور والعطور، كما كانت مركزاً هاماً للاتصال التجاري بين المحيط الهندي والبلاد الواقعة شرق البحر المتوسط، وأهم الدول العربية الجنوبية معين وقتبان وسبأ وحضرموت.

مجالس لهيئات تشريعية مختلفة:-

ترجع أنظمة الحكم اليمنية إلى العصر الملكي القتباني، وربما قبل تأسيس الدولة السبئية الكبرى، ويرجع ذلك إلى نقش ” 6061 جلازر” وهو نقش يقدم بعض المعلومات الخاصة بالتشريع والإدارة في تلك البلاد.

والحقيقة التي يجب أن نسلم بها مقدماً هي أن تلك البلاد عرفت نظاماً يتكون من مجالس تمثل الشعب تمثيلاً نيابياً ، فقد يكون مجلساً قبلياً إلى جانب العرش.

كما كانت تمثل القبائل المختلفة في الهيئات التشريعية المتعددة، وكانت إدارة البلاد بيدها وربما كان المجلس القبلي يعقد جلساته مرتين في العام في عاصمة الدولة، كما كان يوجد ممثلون لأصحاب الأراضي الخصبة والقبائل المنضمة إليها وسكان المزارع والمراعي، كانت تمثلها جماعات أو طبقات السادة صاحبة الامتياز وعدد كبير من بين أصحاب الأملاك ” طبن” أما المجالس الاستشارية فقد كانت مكونة من سائر القبائل، ولم يحرم منها إلا الرقيق الذين كانوا يعملون في الأرض ” ادوم” وكان يكون هؤلاء العبيد طبقة وضيعة اجتماعياً واقتصادياً ، ولم يكن لها حقوق سياسية ، وكان المجتمع في الدولة اليمنية القديمة مكوناً من الجند المسلحين لحفظ الأمن والنظام وحماية القلاع وحراسة القوافل التجارية، ومن الفلاحين والصناع، والتجار، والبنائين وكان شعار دولهم ، ” النسر ” رمز القوة وصكوا عملتهم من الذهب والفضة أو البرونز وعلى وجه عملتهم نقشوا صور ملوكهم أو صوراً للنسر أو الصقر أو البوم أو رأس الثور كرمز للفلاحة والخصب، أو رسم هلال كرمز ديني ” ويكتبون عليها بأحرف حميرية ”

لقد أكتشف بعض أنواع تلك العملة، كما أنها توجد على رؤوس الجنابي اليمنية القديمة وعلى مقابض السيوف الموجودة في المتاحف الأوربية واليمنية، منها متحف ” التواهي ” في محافظة عدن.

ومجتمع مثل هذا راق في حياته الحضارية لا شك وأن الإنسان فيه قد ارتقى بمداركة جيداً ، وتمكن بها من خلق روابط للعمل والإنتاج فقد كان أساس تكوين القبائل روابط العمل وليس أواصر القرابة والدم فالجماعة التي يجمع أفرادها العمل تسمى قبيلة .

ويذهب الدكتور نيكلوس في تناوله تركيب المجتمع اليمني القديم فيقول : ” القبائل اليمنية القديمة كانت تنقسم إلى قبيلة حاكمة وتدل عليها عندهم كلمة ( شعب ) وإلى قبائل محكومة وتسمي قبيلة .. وحتى القبيلة الحاكمة فإنها مكلفة بالعمل في سبيل الصالح العام وخدمة الدولة، أي أنها لم تخرج عنه باعتبار أن رابطة العمل هي أساس تكوينها، وأنها على الأقل مكلفة بالإسهام في العمل الذي تقوم به القبائل الأخرى.

فكلمة الشعب تتكون في اعتقادهم من القبيلة التي استطاعت قيادة القبائل الأخرى التي لم تبلغ نضجها السياسي وكذلك الشعب يملك أرضه وأرض الآخرين الذين تحت زعامته.

كذلك نجد اسم الشعب عبارة عن اسم القبيلة ” الزعيمة” هكذا في لقب ” سبأ ” و ” ذي ريدان” و” قتبان” و” معين” وهلم جرا، أما الكلمة الدالة على قبيلة فهي في الأصل كانت تستخدم للتعبير عن نظام خاص.

ويعلق الدكتور نيكلوس على سرده فيقول: ” هذا ما نفهمه من النصوص التي وصلتنا” ويعني ما كتبه عن حياة المجتمع اليمني في العصور القديمة ، إذ لم يكن من وحي الاستنتاج بقدر ما قدم من حقائق قائمة على نصوص لنقوش يمنية سطرها اليمانيون نقوشا حفرت في الصخر وعجزت قرون من الزمن عن طمسها وستظل عاجزة عن محوها.

مجالس القبائل .. مجالس التشاور عند المجتمع اليمني القديم.

وهكذا تدل الحقائق المقنعة من خلال النقوش أن المجتمع اليمني القديم عرف نظام المجالس القبلية والاستشارية ، وكانت المجالس الاستشارية تتكون من كل القبائل عدا الرقيق، ومهام هذه المجالس هي التشاور حول موضوع معين، أو عدة مواضيع، ويتم الاتفاق حول الحلول لها بعد عرضها على مجلس القبائل الذي يكون فيه الملك هو صاحب السلطة العليا، وهو الذي يدعو مجلس القبائل إلى الاجتماع، ويتكون ذلك المجلس من الملك وممثلي القبائل الحاكمة، ويشترك فيه الإشراف، ويحق له إصدار القوانين ويوافق عليها المجلس الاستشاري ، ويتم كتابة الصياغة نقشاً على صخرة صلدة توضع في مكان بائن كي يسهل الإطلاع عليها من قبل الجميع.

وفي الحالات الهامة يجتمع المجلسان للتداول حول تلك الحالة الهامة .. ومن المؤكد أن كلا المجلسين يشكلان عوامل تقوية الروابط والتعاون بين كل القبائل وبين الملك.

ولعل الشعب اليمني لا زال حتى الوقت الراهن يعتمد على المحافل واللقاءات للتشاور، بل أن تلك الظاهرة تحولت إلى تقاليد أضحت من الخصوصية اليمنية ، ولا زالت بعض القبائل تمارسها ، بل أن القبائل لا تحتفظ للشيخ بحق وراثته كشيخ للقبيلة أو شيخ المشائخ كما هو الحال في مجتمعات الجزيرة العربية فشيخ القبيلة في اليمن يتم اختياره من قبل أفراد القبيلة وبإمكانهم اختيار شخص آخر في حالة وفاة الشيخ أو تنكره لأفراد قبيلته.

لقد تأصلت في الذات اليمنية حالة التشاور والمشاورة والحوار الذي يعم جلسات بعد الظهر ” المقايل” وخلالها يتم مناقشة المشاكل المستجدة أو المستعصية، وهذه الحالة لم تستطع أية سلطة في كل العهود من التصدي لها أو محاولة منعها .. ولذلك يفخر اليمنيون بأنهم رواد نظام الشورى منذ عهد سبأ وخاصة عهد الملكة بلقيس لقد أجمع الباحثون أن وجودها كان عام (950) قبل الميلاد ، وهو ما يتوافق مع وجود النبي سليمان بن داود عليه السلام الذي كان وجوده عام 968ق . م .. ومن بين من أكدوا تقويم وجود بلقيس ” البروفيسور البرايت” الذي شارك في التنقيب عن الآثار اليمنية ضمن البعثة الأمريكية عام 1955 م بقيادة ” ويندل فيليبس ” وكان موقع التنقيب في منطقة مأرب حيث كان هناك مكان يسمى عرش بلقيس .. ويروي العلامة محمد الأكوع الحوالي في كتابة ” اليمن الخضراء مهد الحضارة ” حكاية الملكة بلقيس بقوله : ” إن دول اليمن الخضراء في العهود الحضارية على وجه العموم دول ديمقراطية ذات نظام ثابت، وقد أرشدتنا أوثق المصادر التي بين أيدينا، ألا ,هو القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ،إذ لمح بإشارته إلى نظام الحكم وهو الشورى، وذلك في سورة النمل، بما حكاه عن الملكة ” بلقيس ” بنت الهدهاد مع سليمان بن داود عليه السلام، لما ورد كتابة على يد رسوله الهدهد الذي يقول فيه : ” ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ” حينها جمعت نواب الأمة وأشرافها وأملت عليهم كتاب سليمان واستشارتهم في ذلك وقالت لهم ” ” يا أيها الملا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون فأجابوها بقولهم ” نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين “.

ولما كانت من الذكاء النادر وتعمقها في دراسة نفسية الملوك وكأنما الحكمة أجريت على لسانها، أجابتهم بقولها: ” أن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلا أذلة وكذلك يفعلون.”

وهذه ملامح الشورى وبدايتها ، لأن القرآن الكريم يوجز في كلامه بأبلغ عبارة ,وانصع لفظ, دون التفصيل والتفنين, إذ يرجع ذصلك إلى الفهم والذوق السليم .

ويعلق العلامة طنطاوي جوهري في كتابة (نهضة الأمة وحياتها ) فيقول ( وهذا لعمرك مجلس الشورى بعينه الذي يمثله صفوة الأمة المنتقاة الأمناء عن جميع قطاعات الشعب تمثيلا صادقا صحيحا ,اذ هو مصدر التشريع والذي بيده السلطات التنفيذية ,وإنما الملك رمز لتلك الهيئة ليس له حق التصرف المطلق بحق الدولة إلا بعد انعقاد مجلس الأمة ونواب الأمة).

يذكر الهمداني في كتابة الثاني من (الإكليل ) أن الأمة اليمنية كان لها مجلس الشورى فقال (إن آل حنفر يدخلون قبالة حمير , وكانت أقوامها تكون في كل عصر ثمانين قيلا من وجوه حمير وكهلان ,فإذا حدث بالملك حادث كانوا الذين يقيمون القائم من بعده ويعقدون له العهد ,وكان قيام الملك من قدماء حمير عن إجماع كهلان وكانوا إذا لم يرتضوا بخلف الملك تراضوا وأدخلوا مكانه رجلا ممن يلحق بدرجة الأقوام )

ولم يكن النظام الشوروي مقصوراً على التشريع فقط , بل كانت القرارات التي تصدر تستتبع بإصدار قوانين خاصة بتنظيم استثمار الأرض والعقار ودفع الضرائب ,وهذه القوانين الزراعية كانت الأساس الذي بني عليه نظام الدولة فيما بعد , أما اجتماع المجلس الاستشاري فكان الغرض منه الموافقة على القوانين وإلى جانب النظم التشريعية توجد نظم أخرى إدارية كانت تعالج إدارة الأرض وتأجيرها والشروط اللازمة عند كل حالة أو مجموعة من الحالات , كل هذا حدث عند المجتمعين الذين كانوا حريصين على تنفيذا أوامر الملك وطاعته ..فنحن نجد فوق النظام الديمقراطي نظاما آخر أقوى يصدر القوانين ,وهو سلطان الأمر … ومن هذه الطاعة ,ومن هذا الحرص على تنفيذ رغبة الملك, يتبين لنا أن الملك هو الذي يدعو الأعضاء إلى الاجتماعين (اجتماع المجلس القبلي, واجتماع المجلس الاستشاري) وهكذا يصير الاجتماع والانفضاض قانونيين .. والجدير بالملاحظة أن جميع القرارات كانت (تصدر استجابة لرغبة ملكية ومتفقة وتوجيهاته الخاصة).

ويضيف الدكتور نيكلوس (فيما يتصل باستثمار الأرض فقد جاءتنا إخبارها عن طريق نقوش سبئية متأخرة ترجع إلى عهد حكم الأسر , وهي النقوش المعروفة باسم (وقف) ومن هذه الوثائق يتبين كيف إن المعاهدات جمعت بين الأسر والقبائل وجعلت منها جماعات مستقرة متحدة في سبيل أغناء الدولة والقضاء على السلطات الداخلية ,وكان هذا تطور سياسياً وعظيما ً)

أخيراً وقبل أن ننهي هذا الفصل لابد لنا من أن نعرض فكرة موجزه عن الدول القديمة التي تشكلت على أرض اليمن .

لقد عرف تاريخ اليمن القديم ـ قبل الإسلام ـ ثلاث دول عظيمة مشهورة هي معين, وسبأ, وحمير, ونشأت دول أخرى أقل شأنا منها : قتبان , وحضرموت , وأوسان, وذي ريدان وجبا وسمعى, وأربع .

لقد آل أمر هذه الدول الإنضمام إلى غيرها من الدول الثلاث شملت دولة (سبأ) وجاءت على إثرها دولة حمير التي اتسعت رقعتها وشملت جميع الدول التي كانت قائمة على الأرض اليمنية بما فيها حضرموت وسبأ وما اشتملت عليها .

لقد  أمتدت (حمير ) على أنحاء اليمن الطبيعية من عدن جنوباً حتى بلاد عيسى شمالا وما يلي الخليج العربي شرقاً والبحر الأحمر غربا , وأمتدت في بعض فترات حكمها إلى بلدان أخرى خارج اليمن ولكن (حمير ) تلاشى مكانها وتعددت أوصال حكمها حتى ظهر الإسلام في ربوع الجزيرة العربية .

– المصدر: أنظمة اليمن بين الشورى السبيئة وديمقراطية الوحدة: لسعيد أحمد الجناحي – الطبعة الأولى-2005م.

 

You might also like