كل ما يجري من حولك

تحالف “صهيوني – خليجي” جديد على أنقاض التحالف العربي.. إسرائيل تبني متراساً من رماد

98

 

 

بعد قرابة خمس سنوات ثبت خلالها أن العدوان على اليمن كان تحَرّكاً أمريكياً وضع على رأس قائمة أولوياته خدمةَ أمن “إسرائيل” وحمايتها من تصاعُدِ صوتِ المقاومة من اليمن وتأثير ذلك على المنطقة، تنعكسُ اليوم دلائلُ فشل هذا العدوان بشكل واضح على تحَرّكات “تل أبيب” التي باتت توضح أن اليمن لم ينجح فحسب في إحباط الهجمة الإسرائيلية، بل وعكس اتّجاهها لتضاعف حجم الخطر على العدوّ الصهيوني وترفع مستوى خوفه إلى أضعاف ما كان عليه في بداية العدوان، إذ أن اليمن اليوم بات أقوى عسكريًّا من ذلك الوقت، كما أنه جعل البيدق “الخليجي” التابع لإسرائيل أكثر وهناً وضعفاً، في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة كلها تصاعداً لقوة حركات محور المقاومة الذي بات أكثر تأثراً وارتباطاً باليمن من أي وقت مضى.. الأمر الذي دفع بإسرائيل، إلى اتّخاذ موقف “دفاعي” بديل، بعد انهيار موقعها “الهجومي” الذي انطلق منه العدوان.

في هذا السياق، أعلن وزير الخارجية الصهيوني، يسرائيل كاتس، مؤخّراً أنه “أجرى مؤخّراً جولة من اللقاءات مع وزراء خارجية عرب وعرض عليهم مبادرة تهدف إلى إنهاء (النزاع) مع دول الخليج، وقد شُكلت طواقم مشتركة ستبحث بدفع هذه الفكرة” وَقال الوزير: “إنها ستسمحُ بالتعاون حتى توقيع اتّفاقية سلام”.. خطوةٌ لا تبدو غريبةً في مِـلَـفِّ العلاقات الصهيونية الخليجية الذي شهد خلال السنوات الأخيرة نشاطَ “تطبيع” وصل إلى حدود رسمية وعلنية غير مسبوقة، كما إن هذه الخطوة تأتي امتداداً للكثير من التحَرّكات المعلَنة أَيْـضاً نحو تشكيل “تحالف” بين دول الخليج والكيان الصهيوني؛ بحُجَّة “مواجهة إيران”، وهو ما أكّـدته القناة الإسرائيلية التي ذكرت أن الهدف من “مبادرة” وزير الخارجية الصهيوني هو “استغلال المصالح المشتركة مقابل إيران”.

ارتباط هذه التحَرّكات بمِـلَـفِّ العدوان على اليمن، يوضحُه توقيتُ هذه التحَرّكات، فإجمالاً، لم يبدأ الحديث العلني عن “تحالف” رسمي بين إسرائيل ودول الخليج، إلا بالتزامن مع بروز ملامح الخسارة المحسومة لتحالف العدوان (الذي يضم إسرائيل بشكل غير رسمي) في معركة الساحل الغربي التي لم يستطع الكيانُ الصهيوني إخفاءَ اهتمامه بها عندما أعلن نتنياهو أن تل أبيب “ستكونُ ضمنَ تحالف” يضم الدول العربية من أجل حماية مصالحها في البحر الأحمر.

والآن ومع توسع مساحة خسارة تحالف العدوان لتصلَ إلى توقف نصف إنتاج النفط السعودي؛ بسببِ الضربات اليمنية التي ما زالت مرشحةً للاستمرار وبأسلحة لم يكن اليمن يمتلكها من قبلُ، يأتي الدفعُ الإسرائيلي بـ”مبادرة التعاون والسلام” مع دول الخليج في هذا الوقت، أكثر ارتباطاً بمِـلَـفِّ اليمن، إذ يوضح أن الكيان الصهيوني بات مدركاً لحقيقة أن سقف خططه لحماية أمنه تحت غطاء تحالف العدوان قد انهار، وأن عليه أن يشكل “خطًّا دفاعياً” معلناً مع دول الخليج، حيث لا ترتبط المخاوف الإسرائيلية من تداعيات فشل العدوان فقط بالتفوق العسكريّ الكبير الذي أصبح اليمن بواسطته قوة منافسة تصدرت واجهة المنطقة في وقت قياسي، بل ترتبط أَيْـضاً بالتأثير الذي يحدثه فشل العدوان على المنطقة التي تشهد تصاعداً في قوة محور المقاومة، فبالنظر إلى علاقة اليمن بمحور المقاومة اليوم، ومدى تراجع “معسكر العملاء” في دول الخليج، يتضح للعدو الصهيوني أن انتصارَ اليمن على العدوان قد رجّح كفة محور المقاومة وبعثر وزن الكفة الخليجية في نفس الوقت، وهو ما يدفعه نحو إعادة لملمة كفته الخاسرة.

هذا أَيْـضاً ما نقرأه في الإعلام الإسرائيلي الذي يتحدث اليوم بصراحة أن أية حرب مقبلة مع محور المقاومة “ستهز إسرائيل” بحسب تعبير مقالة نشرتها صحيفة “يديعوت أحرنوت” ذكّرت بالهزيمة الإسرائيلية في حرب أكتوبر، وربطت بين الهجوم اليمني الأخير على حقول النفط السعودية، و”فكرة حزب الله لدخول جزء من الخليل”، مشيرة إلى تطور أسلحة محور المقاومة، لتتساءل في النهاية: “هل سنصمد أمام الضربات الدقيقة التي ستصيب منشآتنا الحساسة؟”.

جاء هذا فيما تحدثت صحيفةُ “هآرتس” الإسرائيلية عن أن ولي العهد السعودي “أخفق” في الحرب على اليمن، وأدرك بذلك أنه “غير قادر على مواجهة إيران”، مشيرة إلى أن ذلك هو ما دفعه لـ”ترجيح الخيار الدبلوماسي وطلب التوسط لدى إيران”.

إسرائيل تدرك جيِّدًا أن معسكرها تهاوى.. هذا ما يقوله الإعلام الإسرائيلي بوضوح اليوم وهو يتحدث عن فشل العدوان على اليمن وتصاعد قوة محور المقاومة، وعلى ضوء ذلك يمكن قراءةُ الخلفية الحقيقية “للمبادرة” التي أعلنها وزير الخارجية الصهيوني من أجل “تحقيق السلام مع دول الخليج”، إذ تبدو بوضوح محاولةً بائسة للملمة هذا المعسكر المتهاوي، وتشكيل محور عسكريّ جديد يدافع عن إسرائيل أمام محور المقاومة، حتى لو كان “محور خوف” واضحاً، بالنظر إلى وضع أعضائه الذين باتوا كلهم مترقِّبين لضربات كبرى مزلزلة سواء في تل أبيب، أَو في السعودية، أَو في الإمارات.

هنا يمكن أَيْـضاً قراءةُ الحجم الحقيقي للانتصار الذي حقّقه اليمنُ بصموده حتى الآن، ثم قراءةُ حساسية وتأثير المرحلة المقبلة في معركة مواجهة العدوان، مع دخول الضربات اليمنية مستوى “الوجع الكبير” الذي كانت هجمات “الشيبة” و”بقيق” و”خريص” والتقدم الواسع في جبهة نجران، بعضاً من نماذجه، فيما لا تزالُ القيادةُ اليمنية تؤكّـدُ أن القادم “أكثر تأثيراً وأشد فتكاً”، وهو ما يعني أن كُـلّ عملية قادمة ستضاعف مأزِقَ المعسكر الإسرائيلي، وحتى إذا عقد “تحالفه” المنشود مع دول الخليج، فإنه لن يستفيد شيئاً؛ لأَنَّه سيبني لنفسه متراساً من رماد تلك الدول.

المسيرة | ضرار الطيب

You might also like