كل ما يجري من حولك

أحداثُ الليلة التي استشهد فيها الإمام علي -عَلَيْهِ السَّلَامُ-

172

 

أم مصطفى محمد

لقد أطلّ على العالم الإسْـــلَامي شهر رمضان المبارك الذي أنزل الله فيه القُـــرْآن هدى للناس ورحمة ولقد كان وصيَّ رسول الله -صَلَّى‌ اللهُ ‌عَلَيْهِ ‌وَآلَـهُ ‌وَسَلَّمَ- وبابَ مدينة عِلْمِه الإمام علي -عَلَيْهِ ‌السَّلَامُ- على يقين لا يخامِرُه شكٌّ بانتقاله إلى حظيرة القُدس في بحر هذا الشهر العظيم فهو بالإضافة إلى تعبده طوال العام وتقشفه في مأكله ومشربه نجده -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قد أجهد نفسه وأرهقها إرهاقاً شديداً في ذلك الشهر العظيم حيث كان -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يفطر على خبز الشعير وجريش الملح وَلا يزيد في طعامه على ثلاث لقم، فبرغم إنه -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كان يقوم الليل كله إلا أنه كان لا يأكل أَكْثَــر من تلك اللقيمات، ولقد كان -عَلَيْهِ السَّلَامُ- ينفق لياليه ساهرا في العبادة والتضرّع إلى الله تَعَالَى من أجل أن ينقذ ذلك المجتمع الذي جحد حقّه وتنكّر لقيمه، فلقد عانى الإمام علي -عَلَيْهِ السَّلَامُ- من هذه الأُمَّــة معاناة عظيمة حيث توالت المحن الكبرى على إمام العدل والحقّ يتبع بعضها بعضا حيث أفلت دولته وانهارت حكومته وتمرّد عليه جيشه كأشدّ ما يكون التمرّد فكان يأمره فلا يُطيع ويُدعوه فلا يستجيب وذلك لكون الأهواء قد مزقت ذلك الجيش ونخرت في جسده الدعايات المضللة، ولذا نجد هذا الإمام الممتحن يشتاق إلى ملاقاة الله وملاقاة رسوله وذلك ليعرض عليه ما عاناه من المحن والخطوب من أمّته التي جرّعته كأس المرارة، ففي ليلة التاسع عشر من شهر رمضان راودت أمير المؤمنين -عَلَيْهِ السَّلَامُ- ذكريات جهاده مع رسول الله -صَلَّى‌ اللهُ ‌عَلَيْهِ ‌وَآلَـهُ ‌وَسَلَّمَ- حيث تذكر ما قاساه من طغاة قريش وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب من الجهد والعناء لإعلاء كلمة الله، فلقد التحم معهم في ميادين الحروب التحاماً رهيباً في سبيل نشر كلمة التوحيد وحماية النبيّ العظيم من كيدهم ومكرهم، وعلى أي حال فلندع الحديث إلى السيّدة الزكية أمّ كلثوم لتحدّثنا بما شاهدته من أبيها في تلك الليلة الخالدة في دنيا الأحزان حيث نجدها تقول ” لمّا كانت ليلة التاسع عشر من رمضان قدّمت إلى أبي عند إفطاره طبقا فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح جريش، فلمّا فرغ من صلاته أقبل على فطوره ليتناوله فلمّا نظر إليه حرّك رأسه وبكى وقال «ما ظننت بنتا تسوء أباها كما أسأت إليّ» فقلت «ما ذاك؟» فقال «تقدّمين إلى أبيك إدامين في طبق واحد، أتريدين أن يطول وقوفي بين يدي الله تَعَالَى يوم القيامة؟ أنا أريد أن أتّبع أخي وابن عمّي رسول الله -صَلَّى‌ اللهُ ‌عَلَيْهِ ‌وَآلَـهُ ‌وَسَلَّمَ- ما قدّم له إدامان في طبق واحد إلى أن قبضه الله تَعَالَى، يا بنيّة ما من رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلاّ طال وقوفه بين يدي الله عزّ وجلّ يوم القيامة، يا بنيّة إنّ الدّنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب وقد أخبرني حبيبي رسول الله -صَلَّى‌ اللهُ ‌عَلَيْهِ ‌وَآلَـهُ ‌وَسَلَّمَ- أنّ جبرئيل نزل إليه ومعه مفاتيح كنوز الأرض وقال: يا محمّد السّلام يقرؤك السّلام ويقول لك: إن شئت صيّرت معك جبال تهامة ذهبا وفضّة وخذ مفاتيح كنوز الأرض ولا ينقص ذلك من حظّك يوم القيامة فقال -صَلَّى‌ اللهُ ‌عَلَيْهِ ‌وَآلَـهُ ‌وَسَلَّمَ-: يا جبرئيل وما يكون بعد ذلك؟ قال: الموت فقال: لا حاجة لي في الدّنيا، دعني أجوع يَومًا وأشبع يَومًا فاليوم الّذي أجوع فيه أتضرّع إلى ربّي واليوم الّذي أشبع فيه أشكر ربّي وأحمده فقال جبرئيل: وفّقت لكلّ خير يا محمّد». ثمّ قال -عَلَيْهِ ‌السَّلَامُ- «يا بنيّة الدّار دار غرور ودار هوان فمن قدّم شيئا وجده، يا بنيّة لا آكل شيئا حتّى ترفعي أحد الإدامين» فرفعته فأكل قرصاً واحداً بالملح الجريش ثمّ حمد الله تَعَالَى وأثنى عليه.

لقد كانت الليلة التي استشهد فيها أمير المؤمنين -عَلَيْهِ السَّلَامُ- ليلة مليئة بالأحداث التي كانت تشير إلى أنها هي الليلة الموعود بها أمير المؤمنين -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فلقد كان -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يكثر الدخول والخروج في تلك الليلة فكان يخرج إلى صحن الدار ويقلب طرفه ساعة في السماء وينظر إلى الكواكب وهو يقول (ما كذّبت ولا كُذّبت وإنّها اللّيلة الّتي وُعدت بها) ثم يعود إلى مصلاه وهو يقول ” اللهم بارك لي في الموت، اللهمّ بارك لنا في لقائك “ولقد كانت السيدة أم كلثوم في تلك الليلة ترقب أباها أمير المؤمنين -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بنظرة مشفقة وتقول له “يا أبتاه ما لي أراك هذه اللّيلة لا تذوق طعم الرقاد؟» فأجابها الإمام -عَلَيْهِ السَّلَامُ- «يا بنيّة إنّ أباك قتل الأبطال وخاض الأهوال وما دخل الخوف جوفه وما دخل في قلبي رعب أَكْثَــر ممّا دخله اللّيلة» ثمّ قال «إنّا لله وإنّا إليه راجعون» ففزعت السيّدة أمّ كلثوم وقالت له بنبرات مشفوعة بالبكاء «ما لك تنعى نفسك منذ اللّيل؟» فقال «يا بنيّة قد قرب الأجل وانقطع الأمل» حينها استولى الأسى والحزن على أمّ كلثوم وغرقت بالبكاء، فأخذ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يهدّئ لوعتها قَائِلاً: «يا بنيّة إنّي لم أقل ذلك إلاّ بما عهد إليّ النبيّ -صَلَّى‌ اللهُ ‌عَلَيْهِ ‌وَآلَـهُ ‌وَسَلَّمَ-» ولعل الخوف الذي كان يخالط نفس الإمام -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لم يكن خوفا من الموت أَو القتل بل كان خوفا من لقاء من بيده ملكوت السموات والأرض ولذلك نجده -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قد أقبل في غلس الليل البهيم على الدعاء والابتهال إلى الله تَعَالَى وكثرة الاستغفار.

You might also like