كل ما يجري من حولك

أسبابُ تنامي الوعي

62

 

محمد أمين الحميري

من خلال زيارتي هذه المرة إلى محافظة إب ولقائي بعامة الناس في مختلف المجالس أَو بعضِ الشخصيات العلمائية والاجتماعية من بداية شهر رمضانَ المبارك، أستطيعُ القولَ إن هناك وعياً في تنامٍ مستمر، حتى في بعض الأرياف، رغم ضعفِ الجانب التوعوي وعدم أداء هذه المسؤولية بالشكل المطلوب، وبلا شك فالأمرُ في ذلك يعودُ إلى أسباب متداخلة ومتشابكة تعودُ لخصوصية هذه المحافظة الفكرية والثقافية من جهة، وأسبابٍ أُخْـــرَى تحتاجُ إلى استيعابِها والتواجد واقعيا بالقدر الممكن وبالشكل الصحيح، مع أهمية مراعاة تفعيل البعض من أبناء المحافظة من مختلف التيارات الأُخْـــرَى وليس من تيار واحد مهما كانت قيمة ما يقدمه، إلا أن الأثر سيظل محدوداً.

المهمُّ فتنامي هذا الوعي الملموس يعود -من وجهة نظري- إلى عظمة الصمود اليمني في وجه العدوان وما تكشّف من حقائقَ عن قوى العدوان أَو مرتزِقتهم، أَو في المقابل ما اتضح من حقائقَ حول القوى الوطنية المناهضة للعدوان وبشكل أساس جماعة أَنصار الله، فالكثيرُ من التخوفات التي كنا نسمعُها من قبلُ عند البعض بدأت تتلاشى، كما أن تشكُّلَ أمل لدى البعض من إقامة دولة وأهمية التقارب بين اليمنيين وعدم الركون على الخارج، بل واعتبار الوصاية الخارجية على بلادنا شرًّا محضاً، هذا أَيْضاً بدأ يظهر في واقع من استوعب ما يجري في المشهد اليمني، ويشعر أن خيارَ استعادة ما يُعرَفُ بالشرعية خياراً فاشلاً وما يتحققُ أمام أعينهم هو الاحتلال لليمن، وقد زاد من هذه القناعة ما تتعرضُ له سقطرى والمهرة من أعمال تخريب ونهب وتوسع للمحتل السعودي والإماراتي رغم عدم وجود أية مسوغات لذلك التواجد الذي يقولون عنه لمحاربة الحوثيين، فلا جبهات قتال مفتوحة هناك ولا حوثيون.

صحيحٌ فالمخذِّلون والمتربصون سيظلون، وهم متواجدون، لكن الجميل هو أن دورَهم التثبيطي والتضليلي ينحسر تدريجيًّا والسبب هو ما سبق ووجود خطوات عمل تقوم بها الدولة في اتجاه حلحلة الإشكالات وتلافي الأخطاء ولو في بعض الجوانب.

أيضاً بعضُ رسائل التطمين التي وجّهها أَنصار الله لغيرهم خلال الفترة الماضية من سلفيين وإخوان ممن يعيشون في الداخل ولهم تواجدُهم وأنشطتُهم وأعمالهم، هؤلاء أَيْضاً بدأ العقلاء فيهم يعيدون النظر في بعض الأفكار والتصورات الخاطئة وأن الجماعة متجهةٌ نحو بناء دولة يضمن فيها الجميع حقوقهم، ولا أستبعد وبفعل هذه التطمينات ووجود حراكٍ فكريٍّ في إطار البعض من تجاوز هذه اليقظة الإيجابية المحدودة إلى خطوات أُخْـــرَى متقدمة.

أيضا بدأنا نسمعُ من يتحدثُ عن الحوار مع أَنصار الله وأنهم في الأخير يمنيون وكذلك القراءة عنهم بموضوعية وتجرُّد، البعض من المثقفين والعلماء يبدو أَيْضاً بموقف المخجل أمام السقوط المتسارع لعلماء السعودية وإظهار عدم الرضا عن مواقفهم المتناقضة في مختلف القضايا؛ بغية رضا الحاكم وتماشياً مع سياسته، ولولا بعضُ الحسابات لديهم ربما كنا سنسمع مواقفَ واضحةً إزاء تلك الانحرافات والأخطاء الفادحة.

وحسب قناعتي فمثل هذا الاستيقاظ أمر جيد، والمطلوب هو التشجيع له والوقوف بجانب أصحابه والقرب منهم، ومن يُرِدْ زحزحةَ تلك التركة الثقيلة التي هي نتاجُ عقود طويلة والتراكمات السياسية والفكرية بفارق زمني قصير ومطالبة من يختلف معهم بكل شيء سيُفسِدْ أكثرَ مما يصلح، ولن يتحققَ له ما يريدُه.

ومما دفع إلى تنامي مستوى الوعي أَيْضاً هو حكمةُ ومصداقية القيادة ممثلة بالأخ السيد عَبدالملك بدر الدين الحوثي وحرصُه المستمرُّ على إعطاء كُـــلّ المكونات والتوجهات قدرَها واحترامَها، وَأَيْضاً مبدأُ مكاشفة الشعب في مختلف القضايا، كما نلحظ ذلك في مختلف خطاباته وتجنب التهويل أَو التهوين؛ بغيةَ الارتقاء به ودفعه للتحرك وتحمل المسؤولية والعمل وعدم اليأس وتحفيزه على الاعتزاز بدينه وثقته بالله ثم بذاته أمام الطغاة والظالمين المعتدين، ومن أبرز مظاهر هذا التوجه والقيادة المسؤولة أَيْضاً هو وجودُ منجزاتٍ واقعية أَيْضاً على الأرض وخاصةً في الإطار العسكري الذي كان من مخرجاته انتصاراتٌ عسكرية في مختلف الجبهات وما يتصلُ به على الصعيد الخارجي، وكان له الأثر النفسي السيء على العدوّ ومرتزِقته.

هذا وغيره كان من أهم العوامل المساعدة على تجاوُزِ كثيرٍ من الناس لحالة القعود والجمود واحتقار الذات وَأَيْضاً التغيير للعديد من القناعات، وسيكون الأمرُ أروعَ حالَ بدأت السلطةُ المحلية التفاعُلَ في إب مع مشروع بناء الدولة والقيام بحلحلة بعض القضايا العالقة وتقديم بعض الخدمات المهمة، وَأَيْضاً اهتمام الثقافيين والاجتماعيين ببناء العلاقات وكسر الحواجز مع البعض والارتقاء بالأداء الثقافي ومراعاة التنوع في المحافظة والتدرج في الارتقاء بالخطاب المسجدي من خلال الوسائل الحكيمة والأدوات المؤثرة من أشخاص وطُرُقٍ، بالتعاوُنِ والتنسيق الجيد مع كافة المعنيين، وليس بدافع الإلزام والفرض بالقوة، وهذا بإذن الله سيسرِّعُ من عملية انفتاح المجتمع على بعضه البعضَ وعلى قيادتِه ودولتِه، وله ما بعده إن شاء الله مِن استشعار للمسؤولية والبدء بالتعاون لما فيه الخير للبلاد والعباد، فلا شيء أمامنا كيمنيين إلا الاستعانة بالله والتغيير من واقعنا بأنفسنا، وفق خياراتنا ورغباتنا نحن لا خيارات وإملاءات غيرنا.

You might also like