كل ما يجري من حولك

الابتزاز المالي والسياسيّ للحلفاء.. والجيش الأمريكي تحول إلى جيش من المرتزِقة

30

 

الدكتور بهيج سكاكيني*

بتوجيهٍ من الرئيس ترامب يعمَلُ فريقٌ من إدارته في تحضير قائمة من المطالب المالية لكلٍّ من ألمانيا واليابان ولاحقاً لأية دولة تستضيفُ القوات الأمريكية على أراضيها بدفع النفقات الكاملة للجنود المنتشرين على أراضيهم، بالإضافة إلى 50% وربما أَكْثَــر ”لشرف” استضافة هذه القوات وفقاً لاثني عشر مسؤولاً في الإدارة وعدد من الأشخاص الذين بلغوا بهذه المسألة.

إلى جانب الشجع المادي الذي أبدته هذه الإدارة منذ تسلم ترامب الرئاسة كما اتضح في تعامله مع الدول الخليجية وبشكل فج ومهين ووقح للغاية فإن الإدارة تريد استخدام منظومة الابتزاز الجديدة كوسيلة لممارسة نفوذها على البلدان للقيام بدعم السياسة الخارجية العدوانية للولايات المتحدة وخَاصَّــة في زمن تشعر به الإدارة الأمريكية بالعزلة حتى من قبل حلفائها التقليدين. وقد ظهر هذا بوضوح مؤخّراً في عدم انجرار الاتّحاد الأوروبي خلف الولايات المتحدة بما يخص الاتّفاقية التي وقعت مع إيران بشأن برنامجها النووي.

فالاتّحاد الأوروبي وقف موقفا مغايراً جداً عن الإدارة الأمريكية فهو لم يرفض فقط الإملاءات الأمريكية بالانسحاب من الاتّفاقية بل رفض أَيْضاً إنزال العقوبات على إيران التي اتخذتها الإدارة الأمريكية ومن جانب واحد وخارج الأطر الأممية ضاربة بعرض الحائط قرارات مجلس الأمن والمجتمع الدولي. وقام الاتّحاد الأوروبي بإيجاد الية مالية بديلة للتعاملات التجارية والمالية مع إيران للالتفاف على الإجراءات المالية التي وضعتها إدارة ترامب والتي من شأنها وضع عقوبات على الدول والشركات التي تتعامل مع إيران.

كما ولم تستجب هذه الدول لأهداف مؤتمر وارسو الأخير الذي شكل بهف إيجاد جبهة دولية ضد إيران وتهيئة الرأي العام العالمي للعدوان بشن حربٍ عليها، كما أفصح المجرم نتنياهو حال وصوله إلى وارسو.

وللدلالة على أن الإدارة الأمريكية تريد استخدام هذا التعامل الجديد مع الحلفاء كوسيلة للضغط السياسيّ عليهم فقد أوعزت إلى البنتاغون أن يقوم بتقدير المبالغ المطلوب دفعها بصيغتين: الأولى هي تحديد مقدار الأموال التي يطلب من بلدان مثل ألمانيا واليابان دفعها والثانية هي تحديد الخصومات الذي ستحصل عليه تلك البلدان إذا كانت سياساتها الخارجية تتماشى وتتناغم مع تلك التي تتبعها الولايات المتحدة.

هذا الابتزازُ المالي والسياسيّ ليس بجديد على الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ولكن الجديد هنا هو أن تصبحَ هذه السياسةُ علنيةً ومتعارفاً عليها وركيزة أساسية من ركائز السياسة الخارجية الأمريكية وكأنها تأسيس لمرحلة جديدة في التعامل مع الحلفاء والأدوات. فالدول الخليجية على سبيل المثال وهبت وتهب للآن الأرض التي تقام عليها القواعد الأمريكية مجاناً إلى جانب تحمل كُلّ تكلفة إقامة هذه القواعد وخير مثال على ذلك قاعدة العديد في قطر. ولا شك أن هذه الدول الغنية تشارك في نفقات هذه القواعد والاحتياجات اليومية.

ولقد سبق وأن صرح ترامب أثناء حملته الانتخابية وبعدها أن هذه الدول تمتلك الكثير من المال ونحن بحاجة إليه وأن عليها أن تدفع لنا نفقات حماية عروشها وانها لن تصمد ولو لأسبوعين دون توفير الحماية لها من قبلنا.

وأذكر أنه في حربَي الخليج الأولى والثانية حقّــقت الولايات المتحدة أرباحا طائلة من وراء حربها للمساهمة المالية التي قدمت لها بسخاء من هذه الدول. وعندما طلبت الإدارة الأمريكية آنذاك من ألمانيا أن تقوم بدفع المزيد من الأموال متحججة بأنها تدافع عن المصالح الغربية كافة وليس عن مصالحها فقط قال وزير الخارجية الألماني آنذاك أن ألمانيا على استعداد لدفع أي مبلغ لتسديد النقص في فاتورة الحرب فيما إذا ما أقدم البنتاغون على تقديم فاتورة بتكاليف الحرب الكلية وما قبضته الولايات المتحدة من الدول وأي نقص في الميزان ستقوم ألمانيا بتغطيته.

ولكن إدارة بوش والبنتاغون آنذاك رفضا تقديمَ الفاتورة المفصلة للحرب إلى ألمانيا. الولايات المتحدة نصبت ما يقرب من 800 قاعدة عسكرية في أرجاء العالم ليس لحماية الدول العميلة والحلفاء وإنما للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية ومحاولة احتواء أي خطر يهدد هذه المصالح الاستراتيجية الكونية ولتبقي هذه الدول تحت السيطرة والهيمنة الأمريكية. وأمريكا من خلال هذه القواعد والاتّفاقيات المبرمة مع الدول التي أقيمت عليها القواعد تعمل على إبقاء حالة من عدم الاستقرار في العديد من المناطق إلى جانب الوقوف أمام أية عملية تقارب بين “الأعداء” كما هو حاصل بين كوريا الشمالية والجنوبية. فالقواعد العديدة التي فرضت أمريكا إقامتها في الجنوب والمناورات المشتركة مع قوات كوريا الجنوبية ابقت حالة من الجفاء وعدم الاستقرار والعداء بين شطرَي الوطن.

وأمريكا ليس لها مصلحة على الإطلاق لرأب الصدع وتوحيد الكوريتين أَو تخفيف من حدة عدم الاستقرار في تلك المنطقة؛ لأَنَّها بهذا قد تفقد منطقة ذات أهميّة جيوسياسيّة تحاول من خلالها احتواء الصين وروسيا إلى جانب الابتزاز السياسيّ والعسكري المستمر لليابان وتخويفها من كوريا الشمالية. وها هي الولايات المتحدة تسعى لإقامةِ قاعدة جديدة في اوكيناوا اليابانية بالرغم من وجود معارضة قوية داخل اليابان لبناء هذه القاعدة؛ لأَنَّها إن تفعل شيئاً فإنها تعرض الأمن الياباني للخطر في حال تعرضت كوريا الشمالية إلى عدوان أمريكي على أراضيها.

* كاتب فلسطيني- رأي اليوم

اعلان
You might also like